مشاهدة النسخة كاملة : تسهيل دورة البناء العلمي
مصطفى طالب مصطفى
06-02-2016, 06:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين,أما بعد:
فإنني لا أزعُمُ أنَّ ما أكتبه هو ما سطَّرت يدي, وإنما أنا ناقل لدورة علمية أخذناها في الأكادمية الإسلامية المفتوحة, وما أنا إلا ناقل لما درسناه مقسم الدروس لأجزاء تحت أبواب لتسهل على المتابعين.
للمتابعة عبر الفيس بوك (https://goo.gl/dU4Oxs)
والله الموفق والمعين.
مصطفى طالب مصطفى
06-02-2016, 06:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس [1]
قبل أن نبدا في البناء العلمي لا بد من مقدمات يجب أن تُراعى:
• المقدمة الأولى: لماذا ندرس البناء العلمي؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الأول من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
ومع كثرة العلوم والمعارف التي ألَّف فيها العلماءُ -فقد ألَّفوا في علم العقيدة، وفي علم التفسير، وفي علم المصطلح، أو ما يُسمى بعلوم الوسائل وعلوم الغاية, نجد أن هناك عناية خاصَّة من العلماء بما يُسمَّى بأدب الطلب أو المنهج العلمي أو البناء العلمي لطالب العلم، وذلك لأنَّ العلماء يحرصون في هذه القواعد وهذه الضوابط على أن يبنوا الطالب بناءً سليمًا، فإن العلوم كثيرةٌ، والكتب عديدةٌ، ويستطيع طالب العلم إذا عرف البناء العلمي وعرف المنهجية في طلب العلم أن يصل إلى العلم في أقرب وقتٍ، وبأسهل طريقٍ.
وأذكر لكم في مقدمة هذه اللِّقاءات قصة حدثت لأحد علماء مصر، وقد أصبح هذا الرجل في يومٍ من الأيام هو المفتي الأكبر في جمهورية مصر العربية.
بدأ هذا العالِم تعليمه منذ الصِّغر، فحفظ القرآن ولم يتجاوز التاسعة من عمره، وكانت عادة العلماء هناك أنهم بعد أن ينتهوا ويفرغوا من حفظ القرآن يتوجهوا إلى دراسة النحو، فبدأ بشرح الآجرومية، والآجرومية لها عدة شروحٍ مختلفة، لكن من أصعب شروحها على الإطلاق شرح الشيخ الكفراوي -رحمه الله- فأول درسٍ يبدأ فيه في هذا الكتاب يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم، الباء حرف جر". فبدأ بالإعراب قبل أن يُعلِّم النحو.
حاول هذا الإمام أن يصل إلى العلم عن طريق هذا الكتاب؛ فلم يُفلِح ولم يجد إليه سبيلًا، فذهب إلى والده -وكان مُزارعًا- فقال: أنا أكتفي بدراسة القرآن وحفظه ولا أُريد أن أطلب العلم. فأصر والده على أن يكون ابنه من العلماء، ومع شدة الإصرار هرب الابنُ إلى قريةٍ أخرى، وبدأ يعمل فيها مزارعًا، فكان وهو يحرث الأرض يقرأ القرآنَ، فمرَّ به أحد العلماء فقال له: أراكَ تُكرر أشياء تقرؤها.
فقال: أنا أحفظ القرآن. فقال: لماذا لا تتوجه إلى العلم؟ فأخبره بالقصة. قال: قد آتاك الله علمًا وعقلًا، لكن لابُدَّ أن تبدأ بصغار العلم قبل كِباره.
فذهب فتعلم النحو على شرح الشيخ خالد الأزهري، وهو من أبسط وأسهل الشروح في متن الآجرومية؛ حتى أصبح فيما بعد من كبار علماء المسلمين.
يقول أحد المؤرخين -وقد كتب عن هذا العالم: "ولولا أن الله -عز وجل- أراد بهذا العلم خيرًا؛ لكان مثله مثل سائر الفلاحين، يُكتب اسمه في دفتر المواليد، ثم يُكتب بعد ذلك في دفتر الوفيات". لم يتعلم ولم يُعلِّم، فهو أيضًا ليس له دفتر في الحياة -كما ذكر هذا الإمام.
إذن معرفتنا بالبناء العلمي تجعلنا نطلب العلم بطريقةٍ سليمةٍ وصحيحةٍ، ونصل إلى غايتنا وبُغيتنا.
فكم عدد الذين يتخرَّجون من الجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي بشكل عامٍّ في أيامنا هذه؟
أعدادٌ كبيرةٌ هائلةٌ، لكننا إذا أردنا أن نبحث عن العلماء في هذه الأعداد الهائلة من الذين يطلبون العلم نجد أنَّ العلماء أعدادهم قليلة، لماذا؟ بسبب المنهجية في طلب العلم، فالذي لا يُوفَّق لسلوك ولطلب العلم بالطريقة السَّليمة الصحيحة لا يستطيع أن يصل إلى غايته.
ما الذي يجعل إمامًا كالإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يتصدر للفُتيا وعمره خمسة عشر عامًا؟
ما الذي يجعل أحد العلماء يُؤلِّف كتابًا أسماه "العلماء الذين لم يبلغوا سن الأشد"، كم سن الأشد؟ أربعون عامًا.
هناك من الناس مَن بزُّوا وبرزوا وتميزوا في العلم وهم لم يبلغوا الأربعين من عمرهم، والسبب هو: المنهجية في طلب العلم التي سلكوها.
فالشيخ حافظ الحَكَمي -رحمه الله تعالى- توفي وعمره 37 عامًا، لكن انظر إلى الإرث العلمي الذي خلَّفه بعد وفاته -رحمه الله- وهو هذه المؤلفات العديدة والمُؤصَّلة تأصيلًا علميًّا، وإن لم يكن فيها إلا كتاب "معارج القبول" لكفى به، ومع ذلك توفي -رحمه الله تعالى- وعمره 37 عامًا.
فالبناء العلمي الذي سنقدمه في هذه اللقاءات يُساعد طالب العلم على أن يرسم له المنهج الصحيح في طلب العلم، فأنت لو أردت أن تقرأ في كتب الفقه مثلًا فهناك العشرات من كتب الفقه، لكن بعضها قد يكون أوعى من بعضٍ، فمعرفتك بالطَّريقة تختصر لك الزمان، وتختصر لك المكان، وأيضًا تكون سائرًا في طلبك للعلم على ما كان عليه العلماء -رحمهم الله تعالى رحمةً واسعةً.
إذن الذي يدفعنا للحديث عن هذا البناء العلمي هو أننا نريد أن نُقدِّم العلم الشرعي لطالب العلم بطريقةٍ سهلةٍ ومُيسرةٍ مع مراعاة الأدب -أدب الطلب- وأيضًا معرفة الطريقة المختصرة حتى يكون طالبُ العلم -بإذن الله عز وجل- في مستقبل أيامه من العلماء، فنجد الآن بعض الناس يقرأ كثيرًا، لكن لا يجد أثرًا لهذه القراءة في حياته، ولا يستطيع أن يتحدث مع الناس بما يقرأه، ولا يستطيع أن يُمارس هذه القراءة واقعًا عمليًّا في حياته.
إذن البناء العلمي يُساعد الطالب أيضًا في كيفية قراءة الكتب بطريقةٍ سليمةٍ وصحيحةٍ.
هذا - بإذن الله عز وجل - ما سنتحدث عنه في هذه اللِّقاءات، ولكن يحسن بنا في مقدمة حديثنا عن البناء العلمي أو التأصيل العلمي لطالب العلم الإجابة على سؤال: كيف أطلب العلم الشرعي؟
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/605458516287642)
مصطفى طالب مصطفى
06-02-2016, 06:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [2]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الثاني من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
لذلك وقبل أن نلج في موضوعنا "البناء العلمي" لا بد من مقدمات كما أسلفنا.
• فضل طلب العلم ومكانة العلماء في الإسلام (1)
الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم تفضَّل على الأنبياء بنِعَمٍ ومِنَنٍ كبيرةٍ، فمن هذه المنن أنَّ الله -عز وجل- تفضل عليهم بأن جعلهم من أهل العلم، قال -عز وجل- عن يعقوب -عليه السلام: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف: 68]، وأيضًا يقول -سبحانه وتعالى- عن يوسف: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6]، وقال عن داود وسليمان -عليهما السلام: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الحَمْدُ لِله الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: 15].
والآيات القرآنية التي تتحدث عن العلم وفضله كثيرة، لكنني سأكتفي بإيراد ثلاث آياتٍ منها، مع بيان وجه الاستنباط من هذه الآيات.
يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].
هذه الآية الكريمة في سورة آل عمران دلَّت على فضل العلماء من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الله -عز وجل- قَرَن شهادة العلماء في الأرض بشهادته -عز وجل- بنفسه وشهادة ملائكته، ولا شكَّ أنَّ هذا الاقتران يدلُّ على فضلهم ومكانتهم ومنزلتهم.
الوجه الثاني: أنَّ الله -عز وجل- استشهدهم على أعظم مشهودٍ، وهو توحيد الله -سبحانه وتعالى- فقال: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، قال العلماء: فهذا دليلٌ على فضل العلم وفضل أهله ومنزلتهم ومكانتهم.
وقد استنبط الإمامُ ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "مفتاح دار السعادة" وفي "مدارج السالكين" عشرة أوجه من هذه الآية، كلها تدلُّ على فضل العلم ومنزلة أهله ومكانتهم.
الآية الثاني: يقول الله -عز وجل- في سورة البقرة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 31].
فضَّل الله -عز وجل- آدم وميَّزه على الملائكة، ولما سألوا عن سبب هذا التَّمييز كانت الإجابة: أنَّ الله -عز وجل- علَّم آدم الأسماء كلها، فقال العلماء -رحمهم الله: "وهذا يدلُّ على شرف العلماء ومكانتهم؛ لأنَّ الله -عز وجل- ميَّز أبو الأنبياء آدم -عليه السلام- على الملائكة بالعلم، وشرَّفه به".
أيضًا من الآيات التي تدلُّ على فضل العلم -وأرعوا أسماعكم لهذه الآيات لأنَّها عبارة عن آيتين في سورتين يُبنى بعضهما على الآخر.
يقول الله -عز وجل- في سورة البينة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة 7، 8].
إذن في بداية الآية قال: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾، ثم قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.
وقال -سبحانه وتعالى- في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
يقول الإمام القرافي -رحمه الله- في كتابه "الذخيرة" -والإمام القرافي من كبار علماء المالكية: "إنَّ مَن خشي الله فهو خير البرية كما في سورة البينة -فمَن خشي الله فهو خير البرية- وكلُّ مَن خشي الله فهو عالم، فينتج عن هاتين المقدمتين النتيجة وهي: أن خير البرية هم العلماء".
إذن هذا أيضًا دليلٌ من الأدلة التي يسوقها العلماء -رحمهم الله تعالى- في بيان فضل العلم ومنزلة أهله.
وقد دلَّت أحاديث كثيرة من سُنَّة النبي -عليه الصلاة والسلام- على فضل العلم، وهذا ما سنبينه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/605873269579500)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:09 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [3]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الثالث من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
لذلك وقبل أن نلج في موضوعنا "البناء العلمي" لا بد من مقدمات كما أسلفنا.
• فضل طلب العلم ومكانة العلماء في الإسلام (2)
وقد دلَّت أحاديث كثيرة من سُنَّة النبي -عليه الصلاة والسلام- على فضل العلم، وسنقتصر منها على ثلاثة أحاديث:
الحديث الأول: رواه الإمامان البخاري ومسلم، فعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
خذ هذا الحديث وقارن بينه وبين قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ».
يقول العلماء: "ولو كانت هناك دعوة لابن عباس أفضل من هذه يدعو له بها النبي -صلى الله عليه وسلم- لدعا له بها، ولكن لأنَّ العلم هو أفضل ما يُدعى به فقد دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يُفقهه في الدين ويُعلمه التأويل". وكان ما دعا به النبي -عليه الصلاة والسلام- فقد أصبح ابن عباس حبر الأمة وبحرها -رضي الله عنه وأرضاه.
قال ابن حجر -رحمه الله في "فتح الباري": "ويُؤخذ من هذا الحديث أنَّ علامة إرادة الله -عز وجل- بعبده الخير أن يكون من طلبة العلم، فإذا رأيت طالب العلم يرتاد المساجد لطلب العلم على أيدي العلماء، ويرتاد منازلهم ومجالسهم؛ فهذه علامة على أنَّ الله -عز وجل- أراد به خيرًا".
هل يُؤخذ من هذا مفهوم المخالفة؟
وأعتقد أنَّكم -إن شاء الله- ستدرسون مفهوم المخالفة في أصول الفقه.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، ومفهوم المخالفة أنَّ مَن لم يُرد الله به خيرًا لا يُفقهه في الدين، وقد ورد في بعض الروايات: «مَنْ لَمْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا لَمْ يُبَالِي بِهِ»، لكن الحافظ ابن حجر -رحمه الله- ضعَّف هذه الزيادة، لكن المعنى صحيح، فعلامة إرادة الله -عز وجل- بعبده الخير أن يسلك طريق العلماء، ويسير على هديهم، ويأخذ بطريقتهم -رحمهم الله تعالى.
الحديث الآخر: هو حديث رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة: عن أبي الدرداء -رضي الله عنه وأرضاه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِر لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَان فِي جَوفِ المَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ علَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمْرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَم يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
وهذا الحديث الصحيح دلَّ على فضل العلم من خمسة أوجه:
أول هذه الأوجه: أن طلب العلم طريقٌ من الطرق الموصلة إلى الجنة؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في بداية الحديث: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ».
الوجه الآخر: قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ»، ما معنى: «تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا»؟
طيب، هذا أحد الأوجه، والإمام ابن القيم -رحمه الله- قال في كتابه "مفتاح دار السعادة" -وهذا من الكتب التي أنصحكم بها، وأنصح إخواننا كذلك بها، فهو من الكتب الجميلة التي تحدث فيها -رحمه الله تعالى- عن فضل العلم ومنزلته، وعن الخير العظيم الذي يجده طالب العلم في حياته، فتحدَّث -رحمه الله- عن العلم وفضله بكلامٍ عظيمٍ يُكتَبُ بماء العيون -رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً- فقال: "وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ هناك تناسُب وتوافق بين العلماء والملائكة؛ فإنَّ الملائكة من أنصح خلق الله لبني آدم -ولذلك كان جبريل -عليه السلام- هو الملك المُوكَّل بالوحي- وكذلك العلماء، فإنَّهم من أنصح الناس لخلق الله".
قال: «وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ». قال العلماء: معنى «لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا» ما ورد في بعض الأحاديث: «أَنَّ لله مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ، فَإِذَا بَلَغُوا مَجَالِسَ الذِّكْرِ أَنْصَتُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِم: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ». فهذا دليلٌ على فضل حِلَق الذكر، وأنَّ الملائكة تحُفّها، وكما في الحديث الآخر: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيهِمُ السَّكِينَةَ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». فهذا أيضًا يدلُّ على فضل أهل العلم ومكانتهم.
وبعض العلماء ذكر معنًى آخر لوضع الملائكة أجنحتها، فقال: أنها تخفض أجنحتها توقيرًا للعالم.
ومنهم مَن قال أنَّها ترفعها بالدعاء للعالم. وسيأتي أيضًا بيان هذا الأمر.
فهذه بعض المعاني التي ذكرها العلماء في هذا الحديث، والإمام الماوردي -رحمه الله- في كتاب "أدب الدنيا والدين" ساق نقولات عديدةً، وكذلك الإمام ابن جماعة -رحمه الله تعالى- في كتابه "تذكرة السامع والمتكلم".
الوجه الثالث: قال: «وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِر لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، حَتَّى الحِيتَان فِي جَوفِ المَاءِ».
المقصود بـ«مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ» الملائكة؛ لأنَّ الله -عز وجل- قال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيؤْمِنُونَ بِهِ وَيسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 7]، قال العلماء: وهذا دليلٌ على فضل أهل العلم؛ لأنَّه إذا كان يُنافس في دعاء الرجل الصالح أو مَن يُظنُّ صلاحه كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أويس بن عامر، وذهب إليه عمر من أجل أن يستغفر له -أن يطلب من الله أن يغفر ذنوبه- قال: فكيف بدعاء واستغفار الملائكة الكرام الكاتبين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمَرون؟!
طيب، قال: «حَتَّى الحِيتَان فِي جَوفِ المَاءِ»، وفي روايةٍ: «حَتَّى النَّمْلَة فِي جُحْرِهَا»، لماذا يستغفرون لأهل العلم؟ مَن يعرف؟
يقول ابنُ جماعة -رحمه الله- في "تذكرة السامع والمتكلم": "لأنَّ العلماء هم الذين يُبَيِّنون ما يحلُّ منها وما يُشرع، ويُبيِّنون الرفقَ بها والإحسانَ إليها؛ فلذلك تستغفر لهم هذه الحيوانات البهيمة كما ورد في قول النبي -صلى الله عليه وسلم".
الوجه الرابع الذي دلَّ عليه هذا الحديث: قال: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ».
يقول ابن القيم -رحمه الله: "وهذا دليلٌ على فضل العلم؛ لأنَّ الله شبَّه العلم بالنور". وبالتالي فإنَّ الجهل يكون ظلامًا، وهذا دليلٌ على فضل العلم.
طيب، سؤال: أيهما أشد ضوءًا: الشمس أم القمر؟
الشمس، فلماذا لم يُشبه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- العلماء بالشمس وعدل إلى تشبيههم بالقمر؟
يقول العلماء: النبي -صلى الله عليه وسلم- شبَّه العلماء بالقمر ولم يُشبههم بالشمس لأمرين:
الأمر الأول: أنَّ القمر يكون على حالاتٍ، فيكون بدرًا، ويكون هلالًا، ويكون مُحاقًا، فكذلك العلماء في ترتيبهم في العلم، فإنَّ منهم مَن هو كالبدر في تمامه وفي سعة علمه، ومنهم مَن هو كالهلال في قلَّة علمه، ومنهم مَن هو أدنى من ذلك، ومنهم مَن هو بين ذلك.
فهذا هو السبب الأول.
الأمر الثاني -وهو مهم- أنَّ نور القمر مُستمَدٌّ من الشمس، فكذلك نور العالم لا يُضيء إلا إذا استمد نوره من كتاب الله وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا شبَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- العلماء بهذا المثال العظيم.
الوجه الخامس: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ»، وهذا دليلٌ واضحٌ على فضل أهل العلم؛ لأنَّ الإنسان يرثه مَن؟ أقرب الناس إليه، وأقرب الناس إلى الأنبياء هم العلماء، ولذلك هم ورثتهم.
يقول -صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُورِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؛ وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ».
دخل أعرابيٌّ على مجلس ابن مسعود -رضي الله عنه- فرأى فيه طلبة العلم، فقال: علامَ اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود -رضي الله عنه: "اجتمعوا على ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم".
قال الشاعر:العِلْمُ مِيرَاثُ النبيِّ كَما أَتَى *** في النَّصِّ وَالعُلَماءُ هُم وُرَّاثُه
فهذا أيضًا دليلٌ على فضل أهل العلم ومكانتهم ومنزلتهم.
الحديث الثالث الذي يدلُّ على فضل العلم: قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
يقول ابنُ جماعة في "تذكرة السامع والمتكلم": "وأنت إذا تأمَّلت إلى هذه الأشياء الثلاثة وجدتها في مُعلِّم الناس الخير".
أولًا: قال: «عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» وهذا واضحٌ، فالعلم الذي يُعلِّمه للناس.
قال: وأمَّا الصدقة الجارية، فأعظم الصدقات التي يتركها الإنسانُ هي العلم الذي يبقى في هذه الأمة، فكم بيننا وبين الإمام الشافعي والإمام أبي حنيفة ومالك وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم من العلماء –رحمهم الله تعالى- ولا زالت علومهم حيَّةً بيننا.
والدليل على أنَّ الصدقة في هذا الحديث يدخل فيها العلم: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذاك الرجل الذي دخل مُتأخِّرًا في الصلاة، ماذا قال النبيُّ لصحابته؟
قال: «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا» فالإنسان بعلمه يتصدَّق على الآخرين بما آتاه الله -سبحانه وتعالى.
قال: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، ولا أعظم من أن يكون الذين يدعون لك هم أهل العلم، فشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لم يتزوج، وكذلك الإمام النووي، وبالتالي لم يُرزقوا بالأبناء، لكن لهم من الطلاب ومن الأتباع الذين يدعون لهم ليلًا ونهارًا -رحمهم الله تعالى رحمةً واسعةً- ما يجعل الإنسان بالفعل ينظر إلى فضل العلم ومكانة أهله، فهم إن وُسِّدوا في التراب لكنَّهم أحياء بعلومهم وتلاميذهم، وبما تركوه من إرثٍ عظيمٍ، وهو ميراث النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي هذه العلوم العظيمة.
هذه ثلاثة آياتٍ مضت في الدرس الماضي تدلُّ على فضل العلم، ومثلها ثلاثة أحاديث تدلُّ على فضل العلم أيضًا.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/606599129506914)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [4]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الرابع من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
لذلك وقبل أن نلج في موضوعنا "البناء العلمي" لا بد من مقدمات كما أسلفنا.
فالمسألة الأولى التي تحدثنا عنها: فضل العلم في القرآن.
والثانية: فضل العلم في السنة.
والثالثة التي سنتحدث عنها: مُقارنات
فهناك مقارنة بين بعض الأمور التي أحيانًا قد تصرف الإنسان عن طلب العلم، ومن هذا المقارنة بين العلم ونوافل الطاعة، فأيُّهما أفضل: أن يشتغل طالبُ العلم بالقراءة والبحث والتحصيل والدراسة في ليله أم يقوم لصلاة الليل؟
ذكر الإمام النووي -رحمه الله- أنَّه باتِّفاق العلماء أنَّ الاشتغال بالعلم الشرعي أفضل من التقرب بنوافل الطاعة، وهذا أيضًا مروي عن الإمام مالك والإمام أحمد والإمام الشافعي، ومرويٌّ كذلك عن الزهري؛ بل إنَّ ابن عمر-رضي الله عنه- قال: "مجلس فقهٍ خيرٌ من عبادة ستين سنةً".
ولهذا فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث السابق -حديث أبي الدرداء- قال: «وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ»، ما الذي يجعل الاشتغال بالعلم أفضل من الاشتغال بنوافل الطاعة؟
عدة أمور، منها:
أولًا: ما ورد في نصوص الشَّريعة من أحاديث، وقبلها آيات تدلُّ على فضل العلم ومنزلة أهله.
الأمر الثاني: أن نفع العلم مُتعدٍّ، فالعالم نفعه له وللآخرين، بينما العابد نفعه مُقتصرٌ عليه، ومن المعلوم أنَّ العبادات مُتعدية النفع أفضل من العبادات التي تكون محصورةً أو مقصورةً على الإنسان.
والعلماء -رحمهم الله تعالى- أيضًا لاحظوا ملحظًا آخر في فضل العلم على النوافل، وهو أنَّهم قالوا: الاشتغال بالعلم الشرعي بالنسبة للأُمَّة فرضُ كفايةٍ، وأجر مَن يقوم بفروض الكفاية أكثر من نوافل الطاعة، لماذا؟
لأنَّه يُسقِط الإثم عن الأُمَّة، ومن أعظم العبادات التي يتقرَّب بها العبدُ إلى الله هي عبادة تُسقِط بها الإثمَ عن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم.
أرسل الإمام عبد الله العمري -وكان من العُبَّاد الزُّهاد- رسالةً إلى الإمام مالك ينصحه فيها، فالإمام مالك صرف حياته في تعليم الناس العلم، فهو بين مجلس الفقه، ومجلس الحديث، ومجلس الفُتيا، فكأنَّ هذا العابد رأى أنَّ الإمام اشتغل بالناس عن العبادة، فأراد أن ينصحه بأن ينقطع عن الناس ويُقبِلَ على العبادة، فقال الإمام -رحمه الله- في ردٍّ لطيفٍ مُؤدبٍ: "إنَّ الله قسَّم الأعمالَ كما قسَّم الأرزاق، فمن الناس مَن فتح الله له في باب الصلاة، ومنهم مَن فتح له في باب الصدقة، ومنهم مَن فتح له في باب الصيام، ومنهم مَن فتح الله له في باب الجهاد، ونشر العلم والخير من أعظم القُربات التي يتقرب بها العبدُ إلى الله، وأرجو أن يكون ما أنا فيه ليس بأقل مما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خيرٍ".
رأيتم التناصح الذي يكون بين الأئمة -رحمهم الله تعالى- وأيضًا فقه الإمام مالك -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة حينما بيَّن أنَّ الاشتغال بالعلم لا يقل فضلًا عن الاشتغال بنوافل الطاعة، بل قد يكون أعلى من الاشتغال بنوافل الطاعة.
لكن هل معنى هذا أن يكون طالبُ العلم عريًّا عن أن يكون صاحب عبادة؟
لا، فمن أعظم الأمور التي تُعين طالب العلم على الطلب قُربه من الله -عز وجل- قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، ويقبح بطالب العلم أن يكون خاليًا من هذه العبادات: من النوافل وقيام الليل؛ بل إنَّ الإمام أحمد -رحمه الله- وهو الذي يرى أنَّ صلاة الوتر سُنَّة مُؤكَّدة قال لما سُئِلَ عن رجلٍ لا يُصلي الوترَ: إنَّه رجل سُوءٍ.
فطالب العلم يحتاج إلى قربه من الله -عز وجل- وأعظم ما يكون به القرب من الله أن يحرص العبدُ على هذه العبادة، لكن العلماء يريدون هذه المسألة في حال كان هناك تباين، كإنسانٍ يريد أن يقوم الليل وعنده مسألة يُريد أن يبحثها، قالوا: لا، ابحث هذه المسألة؛ فهذا خيرٌ لك في دينك، وخيرٌ لك في دنياك.
أيضًا من المقارنات التي يُقارنها العلماء: المناصب والعلم: فأيُّهما أفضل: أن تليَ منصبًا أو وزارةً أو أن تكون من أهل العلم؟
هذه تُبحث أيضًا في بابٍ آخر، فالإنسان قد يُقبِل على العلم ثم يلي منصبًا فينصرف عن طلب العلم، والإمام الماوردي -رحمه الله- عدَّ هذه المسألة في كتاب "أدب الدنيا والدين" من الصَّوارف عن طلب العلم الشرعي، ونحن نريد أن يكون ذهن طالب العلم مُتفرِّغًا للعلم الشرعي.
ومما يُذكَر في هذا: أنَّ نبيا الله داود وسليمان –عليهما السلام- كانا أنبياء، وكانا ملوكًا، فلمَّا توعَّد سليمان الهدهد بالقتل وقال: ﴿لَأُعَذِّبَنهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: 21]، ماذا قال الهدهد؟ قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22]، فانظر إلى الطائر الذي يتفاخر على نبيٍّ من أنبياء الله بأنَّه أحاط علمًا بشيءٍ لم يعرفه هذا النبي، فقال العلماء: وهذا دليلٌ على فضل العلم ومكانة أهله.
يقول الإمام أبو الحسين ابن فارس اللغوي –وهو من أئمَّة اللغة: "لم أكن أظن أنَّ هناك لذَّة تعدل لذَّة الرئاسة والوزارة حتى جلستُ في مجلس مُناظرةٍ بين سليمان الطبراني وأبي بكر الجعابي، فكان الطبرانيُّ يغلب الجعابي بكثرة حفظه، والجعابي يغلب الطبراني بقوة ذكائه". يقول: "فقال الجعابي للطبراني: سأُحدثك بحديثٍ. قال: قلْ. قال: حدثنا أبو خليفة عن سليمان بن أيوب -ثم حدَّثه بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم- قال الطبراني: أنا سليمان بن أيوب، واسمع مني ليعلو سندكَ. فسمع منه. فتمنيت أنني أنا مكان الطبراني، وأنني غلبته".
هذا أيضًا يتحدث عن فضل العلم ومكانة أهله.
وقد قال أحد حاشية الخليفة أبي جعفر المنصور له: هل بقي شيءٌ من لذَّات الدنيا لم تنلها؟ قال: نعم. قال: ما هي؟ قال: أن أجلس على مصطبةٍ -والمصطبة مثل هذا الكرسي- وحولي أهل الحديث، فيقول المُستملي: حدِّثنا، فأقول: حدَّثنا فلان، وأخبرنا فلان.
يقول الراوي: فلما جاء اليوم التالي إذا بالوزراء وأبناء الوزراء يأتون بمحابرهم وأقلامهم فيجلسون أمام الخليفة -رحمه الله تعالى- فنظر إليهم وقال: لستم أنتم طلبة العلم الذي أريد؛ إنما هم الدَّنَسَة ثيابهم، المُشقَّقة أرجلهم، الطويلة شعورهم، بُرْدُ الآفاق، الذين يطلبون العلم في كلِّ مكانٍ.
فهذه كانت أمنية من أمنيات الخليفة أبي جعفر المنصور، فقد تمنى أن يكون من أهل العلم، وأن يلي هذا العلم.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/607548639411963)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [5]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الخامس من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
لذلك وقبل أن نلج في موضوعنا "البناء العلمي" لا بد من مقدمات كما أسلفنا.
فالمسألة الأولى التي تحدثنا عنها: فضل العلم في القرآن.
والثانية: فضل العلم في السنة.
والثالثة: مُقارنات
المسألة الرابعة التي نتحدث عنها في هذا اللقاء: هي ثمرات الطلب
وهذه من الأمور المهمة، فأي أمرٍ تقصده لابُدَّ أن تكون له ثمرةٌ، وهذه الثَّمرة هي التي تُحفِّزك على الوصول إلى هذا الأمر، فالآن الذي يحرص على المال تجد أنَّه لا يكلُّ ولا يملُّ من طرق جميع الأبواب التي يُريدها؛ لأنَّ لديه ثمرةً وهي أن يصل إلى المال. كذلك طالب العلم إذا طلب العلم، فلطلبه للعلم ثمرات:
أول هذه الثِّمار: أنَّه طريقٌ يُوصِّل إلى تقوى الله -عز وجل- أسأل الله أن يجعلنا وإيَّاكم من المتقين.
فمن أعظم الأمور التي يصل إليها طالب العلم أن يصل إلى درجة التقوى، يقول بعضُ السَّلف: "والله لو علمتُ أنَّ الله تقبَّل مني حسنةً واحدةً لتمنيت بعدها الموت". قيل له: ولِمَ؟ قال: "لأنَّ الله قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27]، فإذا تقبَّل الله مني كنت من المتقين، فإذا كتبني الله من المتقين فكما قال رب العالمين: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: 31- 34]".
فهذا دليلٌ على أنَّ من أعظم ثمار طلب العلم: الوصول إلى تقوى الله، كيف يصل الإنسانُ إلى تقوى الله؟
إذا علم وعرف ربَّه حقَّ المعرفة، كيف يعرف الله؟
يعرفه بأمرين: يعرفه بآياته، ويعرفه بأسمائه وصفاته.
ولا يصل الإنسانُ إلى هذا إلا إذا طلب العلم الشرعي.
والتقوى كما أنَّها ثمرةٌ من ثمار العلم، فهي أيضًا طريقٌ من الطرق إلى العلم؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: 282]، فإذا أُخِذَت الواو على أنَّها استئنافية يكون لها معنى، وإذا أُخِذَت على أنَّها عاطفة فيتمُّ هذا المعنى، وأنَّ من الطرق التي تُعين طالب العلم على الوصول إلى الغاية في العلم أن يكون من المتقين لله -سبحانه وتعالى.
أيضًا من ثمار الطلب: أن يصل العبدُ إلى الإمامة في الدين، فهل من العيب أن يكون الإنسانُ إمامًا في الدين؟ فالله -عز وجل- قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24]، وقال أيضًا: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]، فهذا من الأمر الحميد الذي يسعى إليه الإنسانُ، وهو أن يكون قُدوةً في الخير، وأن يكون مُعلِّمًا ومُرشدًا للناس فيما أمر الله -سبحانه وتعالى.
يقول -عز وجل: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، ويقول -عز وجل: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11] .
وقد ذُكِرَ عن نافع بن عبد الحارث -وكان عمر بن الخطاب قد جعله واليًا على مكة- أنَّه لما وصل عمر إلى عُسْفَان خرج نافع بن عبد الحارث لاستقبال أمير المؤمنين، فقال عمر: مَن جعلت على أهل مكة أو أهل الوادي؟ قال: جعلتُ عليهم ابن أبزى. قال عمر: مَن ابن أبزى؟ قال: مولًى من موالينا. قال: تستعمل على الناس مولًى؟! قال: يا أمير المؤمنين، إنَّه حافظٌ لكتاب الله، عالمٌ بالفرائض. فقال عمر -رضي الله عنه وأرضاه: أَمَا إنَّ نبيكم -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ».
والإمام محمد بن عبد الرحمن الأوقص -رحمه الله تعالى- كان من الأئمَّة الذين اشتهروا بالقضاء، وكان دميمَ الخِلْقة، يُقال عنه أنَّ عنقه كان داخلًا في بدنه، وكان له زجَّان -أي أنَّ منكبيه كأنَّهما زجَّان وهي التي تكون في أسفل الرمح- حتى إنَّه كان يدعو في يومٍ من الأيام ويقول: اللَّهم أعتق رقبتي من النار. فالتفتت إليه امرأةٌ وقالت: يا بني؛ وأي رقبةٍ لك!
فقالت له أمه: "يا بني، إنَّك لا تكون في مجلسٍ إلا وتكون المَضْحُوك منه، المسخور به، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانِّه".
فطلب العلم حتى أصبح من كبار القضاة، فكان الخصوم إذا قعدوا وجلسوا بين يديه إذا بهم يرتَعِدُون من الخوف منه -رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً.
يقول الشاعر:
النَّاسُ مِنْ جِهة التَّمثيل أَكْفَاءُ *** أَبُوهُمُ آدمُ والأمُّ حَوَّاءُ
فَإِن يكُن لهم في أصلهم نَسَبٌ *** يُفَاخِرُون به: فَالطِّينُ والمَاءُ
مَا الفَضْلُ إلا لأَهْل العلمِ إنَّهمُ *** عَلَى الهُدى لمَن استَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امرئٍ مَا كَانَ يُحسِنهُ *** وَالجَاهِلُون لأَهْلِ العِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُز بعلمٍ تَعِشْ بِهِ أَبَدًا *** فالنَّاسُ مَوتَى وأَهْلُ العِلْمِ أَحْياءُ
أيضًا من فضائل ومن ثمار طلب العلم الشرعي: أنَّه يُنجي من الفتن، خاصَّة أننا نعيش في زمانٍ قد كثرت فيه الفتنُ، وكثر فيه الحديثُ، وكثر فيه الكلامُ، وقلَّ فيه العملُ، وابتعد الناسُ عن كتاب الله، وسُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما الذي يُنجي الإنسان من هذه الفتن: فتن الشَّهوات والشُّبهات؟
يُنجيه أن يكون طالبًا للعلم، يعرف مراد الله ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم.
فلما خرج قارون على قومه في زينته قال عامَّة الناس: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]، ماذا قال أهل العلم؟ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: 80].
فالعلم يُنجي صاحبه من فتن الشَّهوات والشُّبهات.
أيضًا من ثماره: الحياة الطيبة. يقول ابن القيم: "العلم نورٌ في القلب، وحياةٌ في الروح يجدها الإنسانُ كلما أقبل على ربِّه -سبحانه وتعالى- والله -عز وجل- يقول في كتابه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، وقال -عز وجل- في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]".
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم، وارعوا أسماعَكم لهذا الحديث العظيم: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، أَمْسَكَتِ المَاءَ؛ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ». فهي أرض طيبة قبِلَت الماءَ وأنبتت الزرع، «وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ؛ فَنَفَعَ اللهُ النَّاسَ بِهَا، فَسَقَوا وَشَرِبُوا». لكن الأرض ليست أرض زراعةٍ، ثم قال: «وَمِنْهَا قِيعَانٌ، لَا تَقْبَلُ مَاءًا، وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللهِ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».
يقول ابنُ القيم -رحمه الله: "والعلماء على ثلاثة أنواعٍ:
· علماء يحفظون سُنَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- ويحفظون كلام الله ويفهمونه". وذكر له مثالًا ابن عباس -رضي الله عنه.
· "وآخرون يحفظون العلمَ لكنَّهم لا يفقهون معناه، فهذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوعَى مِنْ سَامِعٍ».
· وآخرون هم الذين يُعرِضون عن كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- فذلك قول الله -عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: 124- 126]".
أيضًا مما يقود إليه العلم: تحصيل اللَّذة:
أحيانًا يتوقع بعضُ الناس أنَّ اللَّذة يمكن أن يجدها الشخصُ في معصية الله -عز وجل- فيجدها في شرب خمر، أو يجدها في فعل الفواحش.
أقول: في هذا الدين لذَّةٌ لا تعدلها أيُّ لذَّةٍ، وهذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «ذَاقَ طَعْمُ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- نَبِيًّا». وقال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».
يقول الإمامُ الزَّرنُوجي -رحمه الله تعالى- في كتابه "أدب المتعلم": "مَن وجد لذَّة العلم قلَّما يرغب فيما عند الناس".
واقرؤوا حياةَ العلماء الذين وجدوا هذه اللَّذة؛ فستجدوا أنَّهم لا ينظرون إلى الآخرين لأنَّهم وجدوا مُتعةً وسعادةً لا يعلم بها إلا الله -عز وجل- ولا يصفها إلا مَن عاشها.
يقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله تعالى- وهو يُؤلِّف كتابه: "كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال، فأُسجلها في موضعها من الكتاب، فأبيت سهرانًا فَرَحًا مني بتلك الفائدة".
فتخيل أنَّه جاءك خبرٌ سعيدٌ في ليلةٍ من الليالي؛ فتقول: والله ما نمت من ماذا؟ من الفرح والسعادة، فيسهر الإنسانُ لأنَّه ينتشي، فإذا انتشى لا يكون للنوم مكانٌ لديه.
هذا الانتشاء وهذه السَّعادة عند هذا العالم حصَّلها حينما وجد فائدةً.
وحياة العلماء ممتلئة بالكثير من ذلك.
الثَّمرة الأخيرة -والثِّمار كثيرةٌ لكننا نختصر- الوصول إلى خشية الله -عز وجل- فالعلم -يا أحبتي- ليس بكثرة الرواية، وليس بكثرة التأليف، وليس بكثرة الكلام؛ وإنَّما العلم ما وقر في القلب وصدقه العمل.
لهذا يقول الله -عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، فإذا خشي العالم ربه -عز وجل- فإنَّ هذا العلم تكون له ثمرةٌ وأثرٌ كبيرٌ.
يقول بعضُ السلف: "ليس العلم بكثرة الرواية، وإنَّما العلم خشية الله -عز وجل".
ويقول بعضُهم: "العلم النافع هو ما وقر في القلب، أمَّا ما تلفَّظ به الإنسانُ فهو حجَّة الله -عز وجل- على بني آدم".
ولما كانت الخشيةُ طريقًا للعلم؛ كان بعضُ العلماء إذا رُؤيَ يُذكر الله -عز وجل- فيقولون: "إذا رأينا فلانًا أو تذكَّرناه ذكرنا الله -سبحانه وتعالى".
وكان يُقال عن الإمام ابن الشَّجري -رحمه الله تعالى: من خوفه من الله أنَّ مجالسه لم يكن فيها إلا أدب الدرس أو أدب النفس. فلا يوجد فيها شيءٌ من كلام الناس، فهو إمَّا فائدة تستفيد منها علمًا، وإمَّا أن تكون للإنسان فائدةٌ أخرى يكتسبها في نفسه.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/609438172556343)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:24 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [6]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس السادس من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
لذلك وقبل أن نلج في موضوعنا "البناء العلمي" لا بد من مقدمات كما أسلفنا.
فالمسألة الأولى التي تحدثنا عنها: فضل العلم في القرآن.
والثانية: فضل العلم في السنة.
والثالثة: مُقارنات
المسألة: هي ثمرات الطلب
نختم هذه المسائل بالحديث عن أنواع العلوم، فما حكم تعلم العلوم؟
يقول العلماء: العلوم على ثلاثة أقسامٍ:
- من هذه العلوم ما يُنهَى عنه ابتداءً.
- ومن العلوم ما يُنهَى عن كثرة الاشتغال به.
- ومنها ما يكون تارةً مُحرَّمًا، وتارةً واجبًا، وتارةً مُباحًا. لماذا؟
لأنَّ مصطلح العلم لم يرد في القرآن أو في السُّنة دائمًا على سبيل المدح؛ بل ورد أحيانًا على سبيل الذم، يقول الله -عز وجل: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾ [البقرة: 102]، فهو علمٌ ولكنَّه لا ينفع.
وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: 7]، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ».
فالقسم الأول: ما يُنهَى عنه ابتداءً، مثل ماذا؟ مثل علم السِّحر، فالسِّحر علمٌ، لكنَّه علمٌ ضَارٌّ لا ينفع صاحبَه؛ بل تعلمه كفرٌ بالله -عز وجل- فالله -عز وجل- قال في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102].
الثاني: ما يُنهَى عن كثرة الاشتغال به، مثل ماذا؟ مثل علوم الآلة.
فالعلوم على قسمين -كما سيأتي- علوم آلةٍ، وعلوم غايةٍ.
- فعلوم الغاية مثل: العقيدة، والحديث، والتفسير، والفقه.
- وعلوم الوسائل -وهي الآلة- مثل: مصطلح الحديث، واللغة العربية، والبلاغة، وغيرهـا.
فالعلماء نهوا مثلًا عن كثرة الاشتغال بالنحو، فيكفي من النحو ما تُقيم به اللِّسان، وتفهم به مراد كلام الرحمن -عز وجل- أمَّا ما زاد عن ذلك من تشقُّقاتٍ وبحثٍ طويلٍ ومُضْنٍ لا يخرج صاحبُه بنتيجةٍ؛ فهنا نهى عنه العلماءُ، بل قالوا: إنَّ النحو في الكلام كالملح في الطعام. فيأخذ منه الإنسانُ بقدر حاجته.
والثالث من العلوم: ما يكون تارةً مُحرَّمًا، وتارةً واجبًا، وتارةً مُباحًا، مثل: علم النجوم، فعلم النجوم إذا كان لمعرفة القبلة فهو واجبٌ، وإذا كان لمعرفة الطريق فهو مُباحٌ، وإذا كان لما يُسمَّى بعلم التأثير، وهو ربط القضايا الأرضية بالحوادث الفلكية، كأن يحدث حدثٌ ما فيقال: وقع ذلك لأنَّ النجم الفلاني خرج عن مداره، أو فعل كذا. فهذا مُحرَّمٌ.
لهذا لما مات إبراهيمُ ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: كُسِفَت الشمسُ لموته. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّمْسَ لَا تُكْسَفُ لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ إِذَا رَأَيْتُم هَذَا فَاهْرَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
هذه أقسام تعلُّم العلوم.
والعلماء بشكلٍ عامٍّ يقولون عند قول النبي -صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، أنَّ المراد بـ«فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» أنَّ العلم على نوعين:
- ما هو فرضُ عينٍ يجب علينا جميعًا أن نتعلَّمه، وهذا هو المراد بقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ»، وفي روايةٍ: «وَمُسْلِمَةٍ»، فهناك علومٌ يجب علينا جميعًا أن نتعلَّمها، كالتوحيد، وتعلم كيفية الصلاة.
ولما سُئِل ابن المبارك عن هذا الحديث قال: "هو أن يقع الإنسانُ في مسألةٍ فيجب عليه أن يسأل عنها ويعلم مراد الله -عز وجل- فيها".
وقال الإمام الخطيب البغدادي: "«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» المراد به علم التوحيد".
وكذلك علم الصلاة، والذي يُريد الحجَّ يجب عليه أن يتعلم الحج، والذي يُريد أن يُزكِّي يجب عليه أن يتعلم أحكام الزكاة، وهكذا.
وأخيرًا: من العلم ما هو فرضُ كفايةٍ، فإذا قام به مَن يكفي في الأُمَّة سقط الإثمُ عن الباقين، وهو قول الله -عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ ليَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
فهذه أهمَّ العناصر التي أردنا أن نجعلها كمُقدِّمةٍ بين حديثنا عن البناء العلمي.
وإن شاء الله سنتحدث في اللِّقاء القادم عن أدب الطلب؛ لأنَّ طالب العلم بحاجةٍ قبل أن يتعلم إلى أن يحمل أدبَ هذا العلم، ولهذا قالت أمُّ الإمام مالك -رحمه الله- له: "يا بني، اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل أن تتعلم من علمه".
أسأل الله -عز وجل- بمنِّه وكرمه أن يُبارك لنا ولكم في الأعمار والأعمال, وأسأل الله كما جمعنا وإيَّاكم في هذا اللِّقاء أن يجمعنا في دار كرامته ومُستقَرِّ رحمته، إنَّه -عز وجل- جوادٌ كريمٌ.
وأسأل الله -عز وجل- أن ينصر دينَه وكتابه وسُنَّة نبيه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/610985422401618)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [7]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيُّها الإخوة والأخوات، السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم جميعًا ممن يجتمع في هذه الحياة على طاعته، ويوم القيامة في جنَّته، إنَّه -عز وجل- جوادٌ كريمٌ.
هذا هو الدرس السابع من دروس البناء العلمي، والذي يُقدَّم لكم من خلال هذه الدورة العلمية، والتي أسأل الله -عز وجل- بمنِّه وكرمه أن يجعلها نافعةً ومفيدةً لنا جميعًا.
ولعلي في بداية هذا اللِّقاء أتقدَّم لكم أيُّها الإخوة بالشكر على مُشاركتكم وتفاعلكم معنا،
فأسأل الله -عز وجل- أن يشملنا برحمته الواسعة.
تحدثنا في الدروس الماضية عن مُقدِّماتٍ مُهمةٍ في فضل العلم الشرعي، وبيَّنَّا أيضًا لماذا الحديث عن البناء العلمي، وأنَّه من خلاله - بإذن الله عز وجل - سنُرشد طلاب العلم الشرعي إلى المنهج الصَّحيح المُختصر الذي يُوصلهم -بإذن الله عز وجل- إلى غايتهم، وإلى بُغيتهم، وهي أن يكونوا من أهل العلم، والله -عز وجل- قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾[السجدة: 24]، والله -عز وجل- يقول: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: 189]، فالعلم له طرقٌ إن سار عليها الطالبُ فإنَّه سيُوفَّق -بإذن الله عز وجل- للوصول إلى بُغيته.
أيضًا تحدَّثنا عن فضل العلم في القرآن، وفضل العلم في سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وتحدَّثنا عن بعض الأمور التي قد تصرف طالبَ العلم عن طلب العلم الشرعي، وذكرنا أنَّ العلم هو أفضل مطلوبٍ، وطلبه لله -عز وجل- من أعظم الأعمال التي يتقرَّب بها العبدُ إلى ربِّه ومولاه.
وفي هذا اللِّقاء لن نتحدَّث أيضًا عن البناء العلمي، فسيكون الحديث عن البناء العلمي - إن شاء الله - ابتداءً من الدروس القادم.
هناك مجموعة قواعد وضوابط إذا سار عليها الطالب -بإذن الله عز وجل- سيُوفَّق لسلوك منهج العلماء في طلب العلم، ولكنني في هذا اللِّقاء سأتحدَّث عن موضوع في غاية الأهمية، وهو ما يتعلَّق بأدب طلب العلم.
فطلب العلم له آدابٌ يجب على طالب العلم أن يُراعيها، ولهذا لو تأمَّلتم مُؤلَّفات بعض العلماء الذين ألَّفوا في العلم مثل الإمام ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- وهو من أئمَّة المالكية، فقد ألَّف كتاب "التمهيد"، وألَّف كتابًا نافعًا مفيدًا أسماه "جامع بيان العلم وفضله" ضمَّنه عددًا من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يُراعيها.
كذلك الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه "المجموع" -وهو من أئمَّة الشَّافعية- ذكر مُقدِّمات في غاية الأهمية تتعلَّق بآداب طالب العلم.
فالأدب من أعظم الأمور التي يجب على طالب العلم أن يُراعيها، وسيأتي معنا -بإذن الله عز وجل- عددٌ من النصوص والنُّقول عن أئمَّة أهل السُّنة والجماعة، وعن السَّلف الصالح الذين أكَّدوا على هذا الأمر.
والتحلي بالآداب بشكلٍ عامٍّ هو من العبادات العظيمة التي يتقرَّب بها العبدُ إلى ربِّه -سبحانه وتعالى.
قال -صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا»، وقال -عليه الصلاة والسلام- وهو يُبيِّن فضل الأدبِ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، المُوَطَّؤُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ»، ويقول -عليه الصلاة والسلام: «اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ».
إذن هذه عدَّة آياتٍ، والله -عز وجل- أثنى على نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وحينما تحدَّث النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن" قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناسُ نِيام، وبنهاره إذا الناس مُفطِرون"، لماذا؟ لأنَّه يحمل هذا القرآن العظيم الذي يجب عليه أن يُراعيَ حفظه ومكانته؛ لأنَّ الله -عز وجل- جعله في صدره، فيجب أن يكون هذا الصدر وهذا القلب موطِئًا لكلِّ خيرٍ، ويُبعِدُ عنه كلَّ شرٍّ؛ حفاظًا وتقديسًا وتعظيمًا لكتاب الله -سبحانه وتعالى.
إذن: إذا كنا نقول: إنَّ على المسلمين أن يتحلُّوا بالأخلاق الحسنة؛ فإنَّ على طلبة العلم خاصَّة أن يكونوا هم القُدوة الحسنة والصَّالحة في هذه الأخلاق الحميدة.
وحينما ترى الرجل كثيرَ العلمِ قليلَ الأدبِ؛ فإنَّ هذا عنوان لعقوبة الله -عز وجل- له، وحرمان الله -عز وجل- له من الخير.
ولما سُئِلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- كيف كان خُلُقُ النبي -عليه الصلاة والسلام؟ قالت: "كان خلقه القرآن".
يقول الإمام الشَّاطبي -رحمه الله تعالى- في كتاب "الاعتصام" -وكتب الإمام الشَّاطبي من الكتب المُهمَّة التي يجب علينا أن نقرأها ونتأمَّل فيها؛ لأنَّها تبني طالب العلم فيما يتعلَّق بمقاصد الشَّريعة بناءً علميًّا عظيمًا- يقول -رحمه الله: "وإنَّما كان -صلى الله عليه وسلم- خلقه القرآن لأنَّه حكَّمَ الوحيَ على نفسهِ، فلا يصدر عنه قولٌ ولا فعلٌ إلا وهو مُوافقٌ لكلام الله -سبحانه وتعالى". بل إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- في رسالته قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ».
مَن أراد أن ينظر أيضًا إلى أهمية ومكانة التأسي بالأخلاق الحسنة فليتأمَّل في قول الإمام ابن قيم الجوزية -رحمه الله- حيث يقول -رحمه الله: "أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلَّة أدبه علامة على حرمانه وبَوَاره، وما استُجلِبَ خيري الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استُجلبَت الشُّرور بمثل قلَّة الأدب".
ثم يقول: "تأمَّل إلى ذلك الرجل الذي انحدرت عليه صخرةٌ على الغار الذي كان فيه، فتقرَّب إلى الله -عز وجل- ببره بأبويه فنجَّاه الله -عز وجل- وتأمَّل إلى ذلك المُصلي الذي تأوَّلَ أن يبقى في صلاته ولا يقطعها لأجل أمِّه، ماذا كانت النتيجة؟ هُدِمَت صومعته، وضُرِبَ من الناس، ورُمِيَ بالفاحشة".
فهذا أيضًا دليلٌ على أهمية الأدب الذي يجب أن يتحلى به المسلمُ، فضلًا عن طالب العلم.
ويقول ابن القيم أيضًا -رحمه الله: "وتأمَّل إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حينما طُلِبَ منه -رضي الله عنه وأرضاه- أن يَؤُمَّ الناسَ بين يدي رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فماذا قال؟ قال: ما ينبغي لابن أبي قُحافة أن يتقدَّم بين يدي رسول الله". يقول: "فكانت نتيجة هذا الأمر أن قدَّمه المسلمون بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم".
فالأدب من أعظم الأمور التي يُستَجلَبُ بها خيري الدنيا والآخرة، بل إنَّ ابن القيم -أكثرنا من النقل عنه- قال أيضًا -رحمه الله: "الأدب هو الدين كله، وكان يُقال: أربعة يسود بها العبدُ: العلم، والأدب، والفقه، والأمانة".
فحينما نتحدَّث عن الأدب فأول ما نتحدَّث عنه هو أدب العبد مع ربِّه -سبحانه وتعالى- فكيف يتأدَّب العبدُ مع ربِّه -عز وجل.
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/611873498979477)
مصطفى طالب مصطفى
06-03-2016, 12:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [8]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الثامن من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
انتهى حديثنا عند ذكر الآداب ...
وحينما نتحدَّث عن الأدب فأول ما نتحدَّث عنه هو أدب العبد مع ربِّه -سبحانه وتعالى- فكيف يتأدَّب العبدُ مع ربِّه -عز وجل؟
بثلاثة أمورٍ:
الأمر الأول: صيانة مُعاملته لله أن تشُوبها نقيصةٌ، فإذا قمتَ إلى الصلاة فأدِّ الصلاةَ كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنَّه قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي».
إذن: التَّأدُّب مع الله -عز وجل- أولًا: أن يصون العبدُ معاملته لله أن تشُوبها نقيصَةٌ.
الأمر الثاني: أن يصون قلبَه عن التَّعلق بغير الله.
والأمر الثالث: أن يصون إرادته أن تتعلَّق بما يمقته الله -عز وجل- عليه، فلا تكون إرادتُه في عمل السُّوء، ولا تكون إرادتُه في تتبع الفواحش، ولا تكون إرادتُه في تتبع العَثَرات؛ وإنَّما تكون فيما يُقرِّبُه من ربِّ الأرض والسماء.
إذن هناك ثلاثة أمورٍ مَن أتى بهن فقد أتى بالأدب من الله -عز وجل:
الأمر الأول: أن يصون العبدُ مُعاملته لله عن أيِّ نقيصةٍ.
الأمر الثاني: أن يصون قلبَه عن التَّعلُّق بغير الله.
والثالث: أن يصون إرادته عما يمقته الله -عز وجل- عليه.
مَن أعظم الناس أدبًا مع الله؟
هم الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام.
تأمَّل هذا الخطاب القرآني العظيم، حينما يقول الكريم -عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾ [المائدة: 116] هذه ماذا؟ استفهام، فالله -عز وجل وهو أعلم – يقول: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ﴾، فلم يقل عيسى -عليه السلام: لا، وإنَّما ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ انظر إلى الأدب، ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، ثم عظَّم الله فقال: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، ثم عظَّمه فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، ثم أجلَّه فقال: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، ثم بيَّن له فقال: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾[المائدة: 117]، فهذا أيضًا من الأدب مع الله -عز وجل.
وإبراهيم -عليه السلام- قال: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾[الشعراء: 79، 80]، فإنَّه لما أتى بالمرض لم ينسبه إلى الله -عز وجل- وإنَّما نسبه إلى نفسه.
إذن هذا نوعٌ من أنواع الأدب التي يجب أن يُراعيها المسلم، فضلًا عن طالب العلم.
الأدب الثاني: الأدب مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فالله -عز وجل- يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 8، 9]، إذن تعظيم النبي -صلى الله عليه وسلم- وإجلاله هو من دين الله -سبحانه وتعالى- الذي يجب علينا أن نحرص عليه، فيُعظَّم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في حياته، وكذلك كما يقول القاضي عياض -رحمه الله: "وحتى بعد موته" -عليه الصلاة والسلام.
قول الله -عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] يشمل حياته وكذلك بعد مماته -صلى الله عليه وسلم- فلا نُقدِّم على قول النبي -صلى الله عليه وسلم- قول أحدٍ كائنًا مَن كان، ولا نُقدِّم كذلك أهواءنا ورغباتنا؛ بل نُقدِّم أمر الله وأمر نبيه -صلى الله عليه وسلم.
مَن أعظم الناس أدبًا مع النبي -عليه الصلاة والسلام؟
الصَّحابة -رضوان الله عليهم.
فالعباس بن عبد المطلب عمّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قيل له: أيُّهما أكبر أنت أم النبي -صلى الله عليه وسلم؟ فقال -رضي الله عنه: "هو أكبر مني، وأنا وُلدتُ قبله".
ويقول بعضُ الصحابة: "كان أصحابُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرعون أبوابَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بأظفارهم؛ خشيةً من إيذاء النبي -عليه الصلاة والسلام.
هذه النَّماذج العظيمة تستوجب منَّا -وخاصَّةً طلبة العلم- أن نكون من أعظم الناس تعظيمًا لمحمد -صلى الله عليه وسلم.
والإمام مالك -إمام دار الهجرة- كان إذا ذُكِرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يبكي بكاءً عظيمًا، وينحني أمام تلاميذه -رحمه الله تعالى- حتى يُشفقوا عليه، فلما كلَّموه؛ قال: "لو رأيتم ما رأيتُ لَمَا أنكرتم.
قالوا: ماذا رأيت -رحمك الله؟ قال: رأيتُ محمدًا بن المُنْكَدر إذا ذُكِرَ حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يبكي بكاءً عظيمًا حتى نرحمه من شدَّة بكائه".
الآن كم مرَّة نسمع أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته وحياته، ومع ذلك لا نجد في قلوبنا وفي أنفسنا ذلك التأثير؟!
فنسأل الله أن يرحمنا برحمته -عز وجل.
والإمام مالك -رحمه الله- كان إذا أراد أن يذهب إلى مجلس الذكر يغتسل ويتبخَّر، ويلبس أحسن الثياب، وأحسن ما لديه من عمائم، ثم يذهب إلى مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا بدؤوا في ذكر حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا بالخشوع والخشية تعلوهم جميعًا -رحمهم الله تعالى رحمةً واسعةً.
والإمام سعيد بن المسيب كان في فراشه من مرضٍ عظيمٍ أصابه، فأتاه آتٍ فسأله عن حديثٍ، فقام -رحمه الله تعالى- وجلس على فراشه فقالوا: لو لم تتعنَّ يا إمام؟ قال: "أأذكر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا مُضطجعٌ على فراشي؟!"
فإذا كان هذا تعظيمهم في السماع، وتعظيمهم في الحديث؛ فكيف كان تعظيمهم في العمل بهدي النبي -عليه أفضل الصلاة وأتم التَّسليم؟
كيف نتأدَّب مع النبي -صلى الله عليه وسلم؟
التَّأدب مع النبي -عليه الصلاة والسلام- يكون بأمورٍ:
فيكون بطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يُعبَد الله إلا بما شرع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنَّه قال -عليه الصلاة والسلام- كما في صحيح البخاري ومسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، أي مردودٌ على صاحبه.
إذن هذا هو ما يتعلَّق بالأدب مع الله، والأدب مع رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكذلك الأدب مع العلماء، وهناك أيضًا الأدب مع الناس.
كيف تتأدب مع الناس؟
طبعًا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ المُعَامَلَةُ»، وهو أن يُعامَل الناسُ بحسب أقدارهم، فمعاملة الإنسان لوالديه تختلف عن غيرهما، ومعاملته لشيخه تختلف عن غيره، وهكذا كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللهِ إِجْلَالَ ذِي الشَّيبَةِ المُسْلِمِ».
هناك قاعدة يحسن بطلاب العلم أن يتنبَّهوا لها في تعاملهم مع الخلق جميعًا، وهي من الأمور التي أوصى بها الإمامُ الشافعي -رحمه الله- تلميذه يونس، حيث قال له: "يا يونس، الانقباض عن الناس يُكسِبُ عداوتهم"، فإذا لم تختلط بالناس فإنَّهم يُعادونك؛ لأنَّهم يبدؤون في التحليل والكِبْر، ويذكرون أمورًا أخرى عنك فتبدأ عداوتهم.
قال: "الانقباض عن الناس يُكسِب عداوتهم، والانبساط إليهم يجلِب قُرناء السُّوء، فكن بين الانقباض والانبساط".
هذه مقولةٌ رائعةٌ، وحكمةٌ بديعةٌ، قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269].
أُعِيد وصية الإمام الشافعي -رحمه الله- لتلميذه يونس: قال: "يا يونس، الانقباض عن الناس يُكسِب عداوتهم، والانبساط إليهم يجلِب قُرناء السُّوء، فكن بين الانقباض والانبساط". والوسط في جميع أمور المسلم جيدٌ، كالوسط في الاعتقاد، والوسط في التعامل.
وللإمام السَّخاوي -رحمه الله- رسالة نفيسة اسمها "الجواب الذي انضبط في لا تكن حُلوًا فتُسترط، ولا مُرًّا فتُعْقَى، وخير الأمور الوسط".
المشاركة عبر الفيس بوك (https://www.facebook.com/mostafa.t.mos/posts/612688055564688?pnref=story)
مصطفى طالب مصطفى
06-14-2016, 02:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [9]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس التاسع من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
سنذكر لكم جملةً من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلى بها، وهي كثيرةٌ، لكن سنذكر جملةً منها نُذكِّر بها، ومَن أراد أن يتوسَّع فكتب الأدب بشكلٍ عامٍّ مُتوافرة، وكذلك كتب أدب الطلب خاصَّة فلابُدَّ من الحديث عن هذه القضايا.
أول ما يُؤكَّد على طالب العلم في الآداب هو الإخلاص لله -عز وجل- فالعلم الذي تتعلَّمه إمَّا أن يكون لك، أو يكون وبالًا عليك، فتتعلم وتسهر وتُعلِّم وتدعو وتبذل هذا العلم للناس جميعًا، لكنَّه إذا لم يكن لله سيكون وبالًا على صاحبه، ولهذا سنذكر عدَّة مسائل في غاية الأهمية تتعلَّق بأدب الإخلاص.
أول هذه المسائل: ما معنى الإخلاص؟
الإخلاص باختصارٍ: هو إفراد الله -عز وجل- في الطَّاعة بالقصد، في الصلاة، في العبادة، في العلم، في جميع ذلك يكون قصدك به وجه الله -عز وجل- وألا يكون لك فيها حظٌّ من حظوظ الدنيا، هذا هو معنى الإخلاص.
والإخلاص هو ركنٌ ركينٌ في قبول أيِّ عملٍ يتقرب به العبدُ إلى الله -سبحانه وتعالى- يقول القاضي عِياض -رحمه الله: "إنَّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا". قالوا: كيف يكون خالصًا صوابًا؟ قال: "خالصًا: يُبتغى به وجه الله، وصوابًا: يكون على سُنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم".
وفي كلِّ عملٍ يُقال: أيُّ عملٍ لا يُقبَل إلا بركنين: الإخلاص والمتابعة، أو: الخالص والصَّواب -الذي ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى.
ما الدليل على أنَّ العمل لابُدَّ أن يكون خالصًا لوجه الله؟
قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]، وقال -سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
أيضًا يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَجْسَامِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ»، ماذا تكتنف هذه القلوب من عملٍ خالصٍ لله -سبحانه وتعالى؟ فهذا الذي ينفع صاحبه يوم القيامة.
الحديث الصَّحيح في صحيح البخاري ومسلم الذي تعرفونه جميعًا عن عمر -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، هذا الحديث من أعظم الأحاديث؛ بل إنَّ الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- افتتح صحيحه به.
قال العلماء: "ينبغي لمَن ألَّف كتابًا، أو تحدَّث مع طلبة العلم أن يُذكِّرهم بحديث عمر -رضي الله عنه وأرضاه"، بل إنَّ بعض العلماء قال: "حديث عمر ثلث الإسلام". يعني ثلث الإسلام في هذا الحديث؛ لأنَّ أيَّ عملٍ لا يُقْبَل إلا بأن ينوي به صاحبه وجه الله -عز وجل- والدار الآخرة.
يقول الإمام عبد الرحمن السَّعدي -رحمه الله، وهذه فائدةٌ نفيسة: "حديث عمر ميزانٌ للأعمال الباطنة"، فالأعمال على نوعين:
- أعمال ظاهرة.
- وأعمال باطنة.
فميزان الأعمال الباطنة هو حديث عمر -رضي الله عنه وأرضاه.
أيضًا من الأمور التي تحدَّث عنها العلماءُ: قول الإمام سفيان -رحمه الله: "لا أعلم شيئًا من الأعمال أفضل عند الله -عز وجل- من طلب العلم لمَن حسُنت نيَّته"، فيجب على طالب العلم أن يتحرَّى هذا الأمر حتى يكون له أثرٌ في حياته؛ لأنَّ الله -عز وجل- قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17].
فالعلم ليس بكثرة الرواية وكثرة الحديث؛ وإنَّما بما يقع في قلب صاحبه، ولهذا كان النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ».
وهذا يُؤكد على أهمية أن نُذكِّر بعضنا بعضًا دائمًا بقضية الإخلاص، يقول -صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارَ يَومَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلهُم: رَجُلٌ اسْتَشْهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، فَقَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: جَاهَدْتُ فِي سَبِيلِكَ وَقَاتَلْتُ حَتَّى اسْتَشْهَدْتُ. فَقَالَ اللهُ -عزَّ وَجَلَّ: كَذَبْتَ؛ بَلْ قَاتَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْحَب عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». أو في روايةٍ: «حَتَّى يُكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».
ثم قال: «ثُمَّ يُؤتَى بِرَجُلٍ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرْآنَ وَأَقْرَأَهُ، فَيُؤتَى بِهِ فَيُعرِّفهُ نِعَمَهُ فَيَعْرِفهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ بِهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ الْقَرْآنَ. فَيَقُول اللهُ: كَذَبْتَ؛ بَلْ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ لِيُقَالَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْحَب عَلَى وَجْهِهِ فَيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ. ثُمَّ يُؤتَى بِرَجُلٍ قَدْ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ مِنْ صُنُوفِ الأَمْوَالِ كُلِّهَا، فَيُؤتَى بِهِ فَيُعرِّفهُ نِعَمَهُ فَيَعْرِفهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ بِهَا؟ قَالَ: لَمْ أُبْقِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الخَيْرِ تُحِبّهُ إِلَّا بَذَلْتُ المَالَ فِيهِ. فَيَقُول اللهُ: كَذَبْتَ؛ بَلْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُسْحَب عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ».
هذا الحديث يجب أن يكون بين عيني طالب العلم في كلِّ حركاته، وفي كلِّ سكناته؛ حتى لا يكون هذا العلم وبالًا عليه، وبدلًا من أن يُقدمه إلى الجنة يكون تقدمةً له إلى نارٍ تلظَّى، لا يصلاها إلا الأشقى -والعياذ بالله.
ولهذا كان الصَّحابيُّ الجليل أبو هريرة -رضي الله عنه وأرضاه- إذا ذكر هذا الحديث يبكي بكاءً عظيمًا حتى يُغشى عليه -رضي الله عنه وأرضاه.
هل معنى هذا أنَّ الإنسان يبدأ في القلق ويبدأ في الخوف؟
لابُدَّ أن يقلق، ولابُدَّ أن يخاف، ولابُدَّ أن يعمل؛ لكن لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يكون سببًا في أن يصرفه عن طلب العلم، وهذه من الأمور التي ذكرها الإمامُ ابن الجوزي -رحمه الله- في "تلبيس إبليس" فذكر أنَّ مما يُلبِّس الشيطانُ على ابن آدم أن يقول له: إن دخلت في طلب العلم فستُلقَى في نار جهنم؛ فابتعد عنه. فقال: "لا يُلبِّس عليه الشيطانُ، ولكن ليَسْتَعِن بالله -عز وجل- ويطلب العلمَ في مظانِّه؛ حتى يصل إلى بُغيته وإلى غايته".
مصطفى طالب مصطفى
06-14-2016, 02:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [10]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس العاشر من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث - بإذن الله عز وجل - عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
أيضًا من المسائل التي نتحدث عنها فيما يتعلَّق بالإخلاص: إذا كان الإخلاصُ بهذه الأهمية، فكيف أكون مُخلصًا لله - عز وجل - في عملي؟
وهذا سؤالٌ في غاية الأهمية، فلابُدَّ من الإخلاص، فما الميزان الذي أعرف به أنني مُخلصٌ لله - عز وجل - في العمل؟
يقول الإمام أحمد -رحمه الله: "لا مَثَلَ للعلم لمَن حسُنَت نيَّتُه". قيل له: وكيف تحسن النية؟ قال: "أن يقصد به رفعَ الجهل عن نفسه وعن الناس".
إذن هذا هو الميزان، فتطلب العلمَ لله، وتقصد بطلبك وجه الله، وتقصد رفع الجهل عن نفسك، وهذا ما ذكره الفُضَيل بن عِياض حيث قال: "إنني أطلب العلم لأجل نفسي؛ لأرفع الجهل عن نفسي".
فمعيار الإخلاص في طلب العلم: أن يقصد به العبدُ وجه الله، وأن يقصد به رفع الجهل عن نفسه وعن المسلمين.
أيضًا من القضايا التي من المهم الحديث عنها فيما يتعلَّق بالإخلاص: ثمرة الإخلاص. طيب، ما الثمرة؟
الثَّمرة ما ذكره الإمام محمد بن واسع -رحمه الله، وهذه دوِّنوها وسجِّلوها وانقشوها في قلوبكم وأذهانكم- يقول: "إذا أقبل العبدُ إلى الله أقبل اللهُ بقلوب العباد عليه".
وهذا الأمر هو مما دلَّ عليه قولُ النبي -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَرْضَى اللهَ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ».
أيضًا يقول بعضُ الصَّالحين: "ما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل".
تأمَّل إلى ما تركه بعضُ الأئمَّة، كالإمام النووي - رحمه الله- فبيننا وبينه مئات السنين ولا يزال كتابه "رياض الصَّالحين" في كلِّ مسجدٍ يذكره الناسُ ويدعون لصاحبه، ويطلبون من الله -عز وجل- أن يرحمه، لماذا؟ لابُدَّ أنَّ هناك نيَّةً طيبةً وعملًا صالحًا تقدَّم به إلى الله -عز وجل- فما كان لله دام واتَّصل ولو بعد سنين، وما كان لغير الله انقطع وانفصل ولو بعد أيامٍ.
فلهذا أعظم ما يرفع طالب العلم أن يقصد بعلمه وجه الله -عز وجل- والدار الآخرة.
الصِّفة الثانية: العمل بالعلم:
فهل يجدر بمَن قرأ القرآن، وعرف سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون بذيء اللسان؟! وهل يجدر بمَن كان في قلبه كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قليلَ العمل؟!
إنَّ العالم يجب أن يكون أول ما يبدأ به العمل بهذا العلم الذي يتقرَّب به إلى الله - عز وجل.
كانت أمُّ سفيان تأتي بابنها وتقول: "يا بني، اذهب فاطلب الحديث، وأَعُولك بمِغْزَلي"، فهي تقول: أنا سأتعب من أجل أن تطلب العلمَ، ولكن انظر فيما بعد، فإن رأيت أنَّ هذا العلم يُقرِّبك إلى الله وإلا فاتركه؛ فإنَّ غيره أولى بك.
إذن من الأمور العظيمة التي يجب على طالب العلم أن يُراعيها أن يكون عاملًا بعلمه، ففي الحديث الصَّحيح: «يُؤْتَى بِرَجُلٍ يَومَ الْقِيَامَةِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ»، تَنْدَلِق أقتابُ بطنه: أي أمعاؤه، «فَيَدُور بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ فِي الرَّحَى، فَيُقَال لَهُ: يَا فُلَان، مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُ تَأْمُر بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ قَالَ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ». والعلماء يقولون: "العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل".
والإمام أحمد -رحمه الله- كان ينصح تلاميذه ويقول: "ما قرأتُ حديثًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- إلا وعملتُ به ولو مرةً واحدةً؛ حتى لا يكون حجَّة الله -عز وجل- عليَّ يوم القيامة"، هذا كان من فقههم -رضي الله عنهم.
وأبو الدَّرداء -رضي الله عنه- كان يقول وهو يتحدث عن أهمية العمل بالعلم: "أخشى ما أخشاه أن يُقال يوم القيامة: أجهلتَ أم علمتَ؟ فأقول: بل علمتُ".
يقول: "فلا تبقى في كتاب الله آية إلا وتسألني: ماذا عملت بها يوم القيامة؟ فتسألني الآمرةُ: بماذا ائتمرت؟ وتسألني الزَّاجرة: بماذا زجرت؟" ثم قال: "اللَّهم إنِّي أعوذ بك من علمٍ لا ينفع".
للمشاركة عبر الفيس بوك (https://goo.gl/iGKj6j)
مصطفى طالب مصطفى
06-14-2016, 02:22 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [11]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الحادي عشر من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
الصِّفة التي تليها التي يجب على طالب العلم أن يتحلَّى بها هي: الدَّعوة إلى الله -عز وجل- فالدعوة إلى الله من أعظم القُربات التي يتقرَّب بها العبدُ إلى ربِّه -عز وجل- فالله -سبحانه وتعالى- قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
وبالمناسبة: حبذا لو جمع واحدٌ وصايا ونصائح وحِكَم الحسن البصري –رحمه الله- فقد كان ممن أُوتي الحكمةَ، وكانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- إذا استمعت إليه تقول: "مَن هذا الذي له كلامٌ يُشبه كلام النُّبوة؟" وقيل: "ما زال الحسنُ يتحرَّى الحكمةَ حتى أُوتيها".
فهو -رحمه الله- لما تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ﴾ قال: "هذا حبيب الله، هذا وليُّ الله، هذا خيرة الله من خلقه، عمل صالحًا ودعا الناس إليه، وقال: إنني من المسلمين".
والنبي -عليه الصلاة والسلام- كذلك يقول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيَةً».
وهنا أيضًا كان من ضمن الأسئلة التي يكثر الحديث عنها: أيُّهما أُقدِّم العلم أم الدعوة إلى الله؟
لا شكَّ أنَّ الجواب أن تُقدِّم العلم، لكن ليس معنى أن تُقدِّم العلم ألا تدعو إلى الله -عز وجل- فأيُّ علمٍ تعلَّمته ادعُ الآخرين إليه، فالذي يُنهى عنه طالب العلم هو أن يُفتي بغير علمٍ كما سيأتي -بإذن الله سبحانه وتعالى.
بالمناسبة: الصِّفات السَّابقة المُتقدمة تحدَّث عنها الإمامُ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في مُقدِّمة "الأصول الثلاثة" فقال: "اعلم أنَّه يجب على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ تعلم أربع مسائل: العلم، والعمل به، والدَّعوة إليه، والصبر على الأذى فيه". ثم تلا قول الله -عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[سورة العصر]، قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى: "لو ما أنزل الله حُجَّة على خلقه إلا هذه السُّورة لكفتهم".
وقال الإمامُ ابن القيم -رحمه الله- في كتابه العظيم "الرسالة التَّبوكيَّة": "إنَّ مدار الكمال البشري على هذه الأمور الأربعة: على العلم، والعمل، والدَّعوة، والصبر على الأذى فيه". فالصبر نحن وضعناه لكم من ضمن القواعد التي يجب على طالب العلم أن يُراعيها.
الصِّفة الخامسة: ترك الذُّنوب: فمن أسوأ الأمور أن يكون طالبُ العلم مُقترفًا للمعاصي والذُّنوب؛ لأنَّ الذنوب والمعاصي تُمِيت القلوبَ.
قال الشاعر:
خَلِّ الذُّنُوبَ صَغيرَها *** وَكَبيرَها ذَاكَ التُّقَى
وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوقَ أَرضِ *** الشَّوكِ يَحذَرُ مَا يَرى
لا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً *** إِنَّ الجِبالَ مِنَ الحَصى
فالذُّنوب تتراكم على قلب صاحبها كما قال الله -عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، ولا يزال الإنسانُ بالذُّنوب والمعاصي يُتابعها حتى تصده عن هذا العلم الشرعي.
يقول الإمامُ ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وهو يتحدث عن هذا: "ومما يُعاقِب الله -عز وجل- عليه بالذُّنوب والمعاصي حِرمان العلم، كما قال -سبحانه وتعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: 155]، وقوله -سبحانه وتعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]، فالذُّنوب والمعاصي يُحرَم بها صاحبها من العلم".
وكما قال الشافعي -رحمه الله:
شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي
وَقَالَ اعْلَمْ بِأَنَّ العِلـْمَ نُورٌ *** وَنُورُ اللهِ لا يُؤتَاهُ عاصِ
فإذا رأيت العالم ورأيت حافظ القرآن فاعلم أنَّ ذنوبه أقلُّ من غيره؛ لأنَّ الله -عز وجل- لن يستودع دينَه في قلبٍ مُظلمٍ بالذنوب والمعاصي، فمَن أظلم قلبُه بالذُّنوب والمعاصي فلن يُنير القرآنُ في قلبه، ولن يُنير في حياته، ولن يكون لكلامه أثرٌ، ولا لقوله أثرٌ، نسأل الله -عز وجل- بمنِّه وكرمه السَّلامة والعافية.
للمشاركة عبر الفيس بوك (https://goo.gl/uRqtsq)
مصطفى طالب مصطفى
06-14-2016, 02:23 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس (https://www.facebook.com/hashtag/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B1%D8%B3 ?source=feed_text&story_id=605873269579500) [12]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة. اللهم آمين.
في هذا اللقاء وهو الدرس الثاني عشر من دروس البناء العلمي، والتي تُقدَّم من خلال هذه الدورة العلمية نتحدث -بإذن الله عز وجل- عن موضوعٍ أعتقد أنَّ كلَّ مَن يروم طلب العلم الشرعي ويقصده لابُدَّ أن يقرأ في هذا الموضوع، ولابُدَّ أن يبني فيه نفسه بناءً علميًّا سليمًا صحيحًا.
أيضًا من الصِّفات -وهي الصفة السادسة- صيانة العلم:
فالعلم مِنحةٌ إلهيةٌ من الله -عز وجل- تفضَّل بها عليك من بين كثيرٍ من البشر، إذن لابُدَّ أن تعرف هذه النِّعمة، وأن تعرف قدرها، وأن تحفظ كلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم.
فأنت قدرك عند الناس ليس في ذاتك؛ وإنَّما فيما تحمله من علمٍ، فيجب عليك أن تصُون العلم، وصيانتك للعلم من شعائر الله التي قال الله -عز وجل- عنها: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
يقول أحدُ العلماء: "دخلتُ على حماد بن سلمة وكان جالسًا في منزله، وكان فقيرًا -رحمه الله- يجلس على حصيرٍ، وقريب منه ماء؛ ليتوضأ به، ومصحفه، وكتبه، فدخل عليه رسولُ محمد بن سليمان الوالي، فكتب له رسالةً يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فقد طرأ لي أمرٌ فائتني من أجل أن أسألك عنه. فقلبَ الصفحة وقال: إلى محمد بن سليمان، مسَّاكَ الله بما مسَّى به أولياءه وأهل طاعته، فقد رأينا العلماءَ والناس يأتون إليهم، وهم لا يأتون إلى الناس، فإن عَنَّ لك أمرٌ فائتنا فأسأل عنه، وإذا أتيتني فلا تأتني بخيلك ورَجِلِكَ، فلا أنصح لك، ولا لنفسي، والسلام.
فأتى محمد بن سليمان فقرع الباب ودخل وجلس بين يديه، فقال له -رحمه الله تعالى: يا إمام، ما لي إذا وقفتُ بين يديك ارتعدتُ خوفًا منك؟ فقال: حدَّثنا فلانٌ عن فلانٍ عن فلانٍ قال -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العَالِمَ إِذَا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللهِ هَابَهُ كُلُّ شَيءٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْنزَ بِعِلْمِهِ الكُنُوزَ هَابَ مِنْ كُلِّ شَيءٍ»".
فهذا نوعٌ من صيانة العلم ومعرفة فضله، وكما قال الأول:
يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإنَّما *** رَأَوْا رَجُلاً عنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَما
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُم *** وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
وَلَم أَقْضِ حَقَّ العِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمَا *** بَدَ مَطْمَعٌ صَيَّرتُه لِي سُلَّمَا
أَأَشْقَى بِهِ غَرسًا وَأَجْنِيه ذِلَّةً *** إِذَن فَاتِّبَاعُ الجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَا
أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُم *** وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْرِمَا
هذه بعض الآداب التي كنا نتمنى أن نتحدَّث عنها كثيرًا، لكن لعلنا -بإذن الله عز وجل- في لقاءاتٍ قادمةٍ نتحدث عن جملةٍ أخرى من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يتحلَّى بها.
مصطفى طالب مصطفى
09-27-2016, 08:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس [13]
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم بمنِّه وكرمه أن يجعلنا وإيَّاكم ممن إذا أُعطِيَ شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنَّ هذه الثلاث عنوان السعادة . اللهم آمين .
لا زلنا نتحدث في هذه الدروس عن (البناء العلمي)، والذي من خلاله نريد أن نجمع بين أمرين:
- بين آدابٍ يجب على طالب العلم أن يُراعيها.
- وبين أسسٍ يجب على طالب العلم أن يسير عليها.
تحدَّثنا في الدرس الماضي عن مجموعةٍ من الآداب المُهمة التي يجب على طالب العلم أن يتحلَّى بها، وذكرنا لكم أنَّ طالب العلم يجب أن يكون مُتميزًا عن غيره، وهذا التَّميز ليس لأجل أمرٍ من أمور الدنيا لديه، ولكن صيانةً للعلم الذي شرَّفه الله -عز وجل- به، فيجب عليه أن يصون هذا العلمَ وأن يحفظه.
وكما ذكر ابنُ مسعودٍ -رضي الله عنه- حينما قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرَف بليله إذا الناسُ نِيام، وبنهاره إذا الناس مُفطِرون".
أمَّا إذا أصبحت بين الناس لا تُميز طالب العلم ولا العالم عن غيره، فإنَّ العلم لم يكن ولم يعد له أثرٌ في حياة طالب العلم.
ذكرنا لكم مجموعةً من الآداب، والآن نتواصل في بقية هذه الآداب:
• من هذه الآداب: ظهور أثر العلم:
فلابُدَّ أن يكون للعلم أثرٌ، فأنت حفظتَ القرآن؛ فأين خشوعك؟ وأين حضور قلبك؟ وأين خوفك من الله؟ وحينما تقرأ آيات الوعيد، أين بكاؤك؟ وأين رجاؤك؟
إذن لابُدَّ أن تختلف عن غيرك، يقولون أنَّ أم سفيان الثوري -رحمها الله، ورحم سفيان الثَّوري- قالت له: "يا بني، اذهب فتعلم العلم وأَعُولُك بمغزلي هذا، فإن وجدتَ في نفسك أثرًا فأكمل، وإلا فلا تتعنَّى". فإذا لم تجد فائدةً ولم تجد ثمرةً؛ فلا تتعنَّى في طلب العلم.
يقولون: أتى القاسمُ بن منيع إلى الإمام أحمد -رحمه الله- فقال: "يا إمام، أريد أن أطلب العلم على يد سُويد بن سعيد، فأُريدك أن تكتب لي كتابًا". وهذا مثل التَّزكية في زمننا، فكتب الإمامُ أحمد: "حاملها رجلٌ يكتب الحديث". فقال: "يا إمام، أُريدك أن تكتب: هو من أصحاب الحديث". فقال: "صاحب الحديث الذي يستعمله، وأنا لا أعرف هذا الأمر عنك".
إذن لابُدَّ أن يكون للعلم أثرٌ في حياة طالب العلم.
يقول الحسن -رحمه الله: "قد كان الرجلُ يطلب العلمَ فلا يلبث أن يُرى أثر العلم في سَمْته، وفي خشوعه، وفي لسانه، وفي هديه، وفي خوفه من الله -سبحانه وتعالى". وهذا معنى قولهم :"طلبنا العلمَ لغير الله فأبى العلمُ إلا أن يكون لله".
فالعلم الصحيح والعلم النافع هو الذي يدلُّ صاحبه على تقوى الله وطاعته.
• أيضًا من الآداب: أن يكون طالبُ العلم صادقًا:
والصدق أعني به هنا: الصِّدق في القول، فهو لابُدَّ أن يكون صادقًا في عمله، وفي حياته، وفي معاني الصِّدق المختلفة. لكن المراد بالصدق هنا: الصِّدق في القول؛ لأنَّه إذا طلب العلمَ يريد بعد هذا الطلب أن يُبلِّغه للناس، وحينما يُعرَف طالبُ العلم بالصدق؛ فإنَّ ذلك يكون له الأثر في القبول عند الناس.
والنبيُّ -عليه الصلاة والسلام- حينما دعا الناس؛ لم يكن لأحدٍ من المُشركين مَطْعَنٌ فيه؛ بل كانوا يقولون عنه: الصَّادق الأمين -عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.
• من الآداب أيضًا: التواضع:
يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]، فيجب على طالب العلم أن يكون من أكثر الناس تواضُعًا، وإلا فإنَّه يستجلب سخطَ الله، يقول -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، وَلَا يَبْغِي أَحَدُكُمْ عَلَى أَحَدٍ».
وكما قال الأول:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كَالنَّجْمِ لَاحَ لِنَاظِرٍ *** عَلَى طَبَقَاتِ المَاءِ وَهْوَ رَفِيعُ
وَلَا تَكُ كَالدُّخَانِ يَعْلُـو بِنَفْسِهِ *** عَلَى طَبَقَاتِ الجَـوِّ وَهْـوَ وَضِيعُ
فطالب العلم يجب أن يحمل هذا الخُلقَ العظيم، وهو خُلُق التَّواضُع.
فأولًا يجب على طالب العلم أن يتواضع لله، وأن يذلَّ وينكسِر بين يدي ربِّه ومولاه -سبحانه وتعالى- لأنَّه:
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى *** فَأَوَّلُ مَا يَقْضِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
والإمام ابن تيمية -رحمه الله- كان يذهب في بعض القُرى فيُعَفِّر جبينه ووجهه في التُّراب؛ ليكسر الكبرَ والتَّعالي الذي قد يأتي إلى النفس، ويقول:
أَنَا المُكَدِّي وَابْنُ المُكَدِّي *** وَكَذَا كَانَ أَبِي وَجَدِّي
وكان يقول: "ما لي شيءٌ، ولا مني شيءٌ، ولا فيَّ شيءٌ"، وهذا التَّواضُع أكسبه الله -عز وجل- به رفعةً إلى يومنا هذا، فمَن منَّا لا يعرف ابن تيمية؟ ومَن منَّا ليس عيالًا على كتب ابن تيمية -رحمه الله تعالى؟ فما أجمل أن تتواضع لله، وأن تنكسر بين يدي ربك ومولاك.
فإذا استشعر طالبُ العلم هذا الذُّلَّ وهذا الفقرَ وهذه الحاجة في نفسه؛ فسيكون ذلك -بإذن الله عز وجل- عونًا له على وصوله لغايته وبغيته.
وابن القيم -رحمه الله- له كتابٌ نفيسٌ جدًّا اسمه "طريق الهِجرتين" تحدَّث فيه عن هذه المعاني العظيمة التي يجب على طالب العلم أن يسكبها في قلبه.
أيضًا من الآداب: التواضع للحقِّ: فإذا قلت قولًا وتبيَّن لك خطؤُه؛ فليس عيبًا أن تخرج للناس وتقول: إنَّ هذا خطأ. بل هذا من تفوق العالم، ومن خوفه من الله -سبحانه وتعالى.
والفُضَيل بن عِياض قيل له: ما هو التَّواضع؟ قال: "يخضع للحقِّ، وينقاد إليه، ويقبله ممن كان".
ترى بعض الناس يقول: أنا لا أقبل إلا من فلان. لا، أقبل الحقَّ ممن كان.
وإذا كان أبو هريرة -رضي الله عنه- استفاد الحقَّ من إبليس حينما أخبره بآية الكرسي، فكيف لا تستفيد الحقَّ من مسلمٍ قد يكون أقلّ شأنًا منك؟!
وابن شُبْرُمَة قال في مسألةٍ بقولٍ جانبٍ فيه الصواب، فقال له نوح بن درَّاجٍ: لقد جانبت الصواب، الحقُّ فيها كذا. فقال: صدقت. ثم قال:
كَادَتْ تَزِلّ بِنَا مِنْ حَالِقٍ قَدَمٌ *** لَولَا تَدَارَكَهَا نُوحُ بْنُ دَرَّاجِ
الحالق: هو الجبل الشامخ.
نكتفي بهذا القدر, وإلى لقاء قادم إن شاء الله تعالى
مصطفى طالب مصطفى
09-27-2016, 08:57 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس 14
الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المُصطفى، وآله وأصحابه ومَن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.
أمَّا بعد:
أيُّها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله -عز وجل- أن يملأ حياتنا بالإيمان، وأن يُسعد أرواحنا بالقرآن، وأن يجعلنا من أتباع المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.
لا زلنا نتحدث في هذه الدروس عن (البناء العلمي)، والذي من خلاله نريد أن نجمع بين أمرين:
- بين آدابٍ يجب على طالب العلم أن يُراعيها.
- وبين أسسٍ يجب على طالب العلم أن يسير عليها.
تحدَّثنا في الدروس الماضية عن مجموعةٍ من الآداب المُهمة التي يجب على طالب العلم أن يتحلَّى بها، وذكرنا لكم أنَّ طالب العلم يجب أن يكون مُتميزًا عن غيره، وهذا التَّميز ليس لأجل أمرٍ من أمور الدنيا لديه، ولكن صيانةً للعلم الذي شرَّفه الله -عز وجل- به، فيجب عليه أن يصون هذا العلمَ وأن يحفظه.
والآن سنستكمل هذه الآداب.
• نقاء السَّريرة:
أن يكون قلبُ العبد صافيًا، ليس فيه غلٌّ ولا حقدٌ ولا حسدٌ، فالقلب الذي يتآمر على الله، ويتآمر على رسوله، ويتآمر على المسلمين؛ لا يستحقُّ أن يكون طالبَ علمٍ.
ولهذا يقول أحد العلماء وهو سهل بن عبد الله -رحمه الله: "حرامٌ على قلبٍ أن يدخله النورُ وفيه شيءٌ مما يكرهه الله".
"وفيه شيءٌ مما يكرهه الله" أي فيه حسدٌ، أو فيه حقدٌ، أو فيه خَبِيئة سُوءٍ، وهي المعاصي التي تحدث في الخَلَوات، والتي يفضحها الله -عز وجل- على رؤوس الأشهاد.
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ *** وَإِنْ خَالَها تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
إذن حرامٌ على قلبٍ أن يدخله النورُ؛ وفيه شيءٌ مما يكرهه الله.
وقديمًا قالوا: "إذا عَلِقَ القلبُ فهو كالرَّهْنِ إذا أُغْلِقَ". فإذا علِقَ القلبُ بالذُّنوب والمعاصي أُغْلِقَ، مثل الرَّهن الذي يُغلَق على صاحبه.
ومن أعظم الأشياء التي يجب على طالب العلم أن يتجنَّبها: الحسد.
أيُعْقَل أن نتحدث عن الحسد ونحن نتحدث عن طلب العلم؟!
نعم؛ لأنَّ التنافس أحيانًا إذا لم يكن لله -عز وجل- يُولِّد العداوة، ويُولِّد الحسد، وحينما يتنافس اثنان تجد أنَّ بينهما من العداوة والحسد ما لا يعلم به إلا الله، وسيأتي معنا -بإذن الله عز وجل- حديثٌ عن هذا الأمر.
إذن يجب على طالب أن يُجنِّب قلبَه الحسد، قال معاوية -رضي الله عنه: "كلُّ الناس أقدر على إرضائه؛ إلا صاحب حسدٍ لا يُرضيه إلا زوال النِّعمة".
وقديمًا قالوا:
كُلُّ الْعَدَاوَاتِ قَدْ تُرْجَى إِمَاتَتُهَا *** إِلا عَدَاوَةُ مَنْ عَادَاكَ بِالحَسَدِ
وابن تيمية -رحمه الله- يقول: "ما يخلو جسدٌ من حسدٍ، لكن الكريم يُخْفِيه، واللَّئِيم يُظهره".
• أيضًا من الآداب: تجنُّب مجالس السُّفهاء:
فاعلم يا طالب العلم أنَّ الناس ينظرون إليك وأنت تحمل القرآن والسُّنة، فيجب أن تترفع عن مجالس السُّفهاء، وألا تكون في مجالس السُّفهاء، ولهذا كان العلماءُ ينهون عن أن يكون طالبُ العلم في "الهُوشات"، وهي الأماكن التي يحدث فيها خلافٌ وقيل وقال.
ومن هذا ما وقع لنصر بن علي الجَهْضَمِي، فكان له جارٌ طُفيلي، فإذا دُعِيَ نصر بن علي الجهضمي إلى مناسبةٍ أو إلى وليمةٍ ركب لركوبه، فالناس تُكرمه لإكرام الجَهْضَمي، فيومًا دعاه والي البصرة جعفر بن سليمان، فقال الجَهْضَمي: والله لئن أتى معي لأفضحنَّه هذه المرة. فلما ركب ليذهب لجعفر بن سليمان؛ ركب الطُّفيلي، فدخل إلى دار الأمير، وأُكرِمَ لإكرام الجهضمي، فقال وهو يجلس مع الأمير على مائدة الطَّعام: أيُّها الأمير، حدَّثنا دُرُسْت بن زياد قال: أخبرنا أبان قال: أخبرنا نافع عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَشَى إِلَى طَعَامٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيهِ دَخَلَ سَارِقًا، وَخَرَجَ مُغِيرًا». هو يقصد مَنْ؟ يقصد الطُّفيلي، لكن الطُّفيلي -وهو طفيلي تجد لديه من العلم ما ليس لدى البعض الآن- نظر إلى الجهضمي وقال: والله لقد استحييتُ من كلامك يا أبا عمرو، والله ما في هذا المجلس أحدٌ إلا ويظنّك تعنيه بهذا الكلام -فأخرج نفسه من القضية.
قال: لا يوجد أحدٌ في هذا المجلس إلا ويظنّك تعنيه بهذا الكلام، ولكن أين أنت من هذا الحديث: حدَّثنا فلان عن فلان قال -صلى الله عليه وسلم: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَينِ، وَطَعَامُ الِاثْنَينِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ». قال: فطأطأتُ برأسي واستحييتُ، فلمَّا خرجنا التفتُّ إليه فقال: أوتظنني أتركها؟!
وَمَن ظَنَّ مِمَّن يُلَاقِي الحُرُوبَ *** بِأَلا يُصَابَ فَقَدْ ظَنَّ عَجْزًا
فنصر بن علي الجهضمي أوقع نفسَه في هذا المأزق مع هذا الطُّفيلي السَّفيه الذي أحرجه أمام الأمير وأمام الناس.
إذن يجب على طالب العلم أن يتجنَّب مجالسة السُّفهاء، وليبتعد عنهم قدر الإمكان، وأن يُصاحِب مَن يستزيد منه علمًا وأدبًا وخُلُقًا، وأن يكون في أخلاقه وفي حياته على وَفْقِ سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم.
• من الأدب كذلك: التَّوازُن:
والتَّوازن في حياة طالب العلم مُهمٌّ جدًّا، كالتَّوازن في تلقِّيك للعلم، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ».
فتحتاج إلى التوازن في الطلب، وتحتاج إلى التوازن في التَّعامل، وتحتاج إلى التوازن في المشاعر. فهذه ثلاثة أشياء:
- توازن في طلب العلم، فلا تطلب العلمَ وتُهمِل نفسَك، أو تُهْمِل أهل بيتك، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو إمام الأوَّلين والآخرين، وكان مُتزوِّجًا، وله أسرةٌ، وله بناتٌ، وكان -عليه الصلاة والسلام- قادرًا على أن يجمع بين هذه الأمور جميعًا.
- والتَّوازن في التَّعامل مع الناس.
- وكذلك التَّوازن في المشاعر، وقد جاء في الأثر: "إذا أحببتَ حَبيبَك يومًا ما فأَحْببه هونًا ما؛ عسى أن يكون بَغِيضَك يومًا ما، وإذا أَبْغَضتَ بغيضَك يومًا ما فأبغِضْه هونًا ما؛ عسى أن يكون حبيبك يومًا ما".
والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان يُحب في الزِّيارة أن تكون مُتفرقةً وليست مُتواصلةً؛ حتى يكون هناك توازنٌ في الناس، فالإقبال مشكلة، والإعراض مشكلة، وتذكرون أننا تحدَّثنا عن وصية الشافعي ليونس، حيث قال له: "يا يونس، لا تنقبض عن الناس فتكسب عداوتهم، ولا تنبسط فتجلب قُرناء السُّوء". فإذا انبسط الإنسانُ مع الناس وبدأ بالدُّعابة والمِزَاح؛ يجتمع قُرناء السُّوء، "ولكن كن بين الانقباض والانبساط".
نكتفي بهذا القدر, وإلى لقاء قادم إن شاء الله.
مصطفى طالب مصطفى
09-27-2016, 08:59 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
#الدرس 15
الحمد لله ربِّ العالمين، الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المُصطفى، وآله وأصحابه ومَن اقتفى، وسلَّم تسليمًا كثيرًا مزيدًا إلى يوم الدين.
أمَّا بعد:
أيُّها الإخوة والأخوات، سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأسأل الله -عز وجل- أن يملأ حياتنا بالإيمان، وأن يُسعد أرواحنا بالقرآن، وأن يجعلنا من أتباع المصطفى -عليه أفضل الصلاة وأتمُّ السلام.
لا زلنا نتحدث في هذه الدروس عن (البناء العلمي)، والذي من خلاله نريد أن نجمع بين أمرين:
- بين آدابٍ يجب على طالب العلم أن يُراعيها.
- وبين أسسٍ يجب على طالب العلم أن يسير عليها.
تحدَّثنا في الدروس الماضية عن مجموعةٍ من الآداب المُهمة التي يجب على طالب العلم أن يتحلَّى بها، وذكرنا لكم أنَّ طالب العلم يجب أن يكون مُتميزًا عن غيره، وهذا التَّميز ليس لأجل أمرٍ من أمور الدنيا لديه، ولكن صيانةً للعلم الذي شرَّفه الله -عز وجل- به، فيجب عليه أن يصون هذا العلمَ وأن يحفظه.
• ومن الآداب أيضًا: ألا تتعجَّل الفُتيا:
فبعض الناس لديه حرصٌ على الفُتيا بشكلٍ غير طبيعيٍّ، مع أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- وهم أعلم الناس بهذا الدين لم يكونوا يتدافعون على الفُتيا.
يقول عُمَير بن سعيد -رحمه الله: "أتيتُ إلى علقمة فسألته عن مسألةٍ فقال: ائتِ عبيدة. فذهبت إلى عبيدة وقلت: ما حكم كذا؟ قال: ائتِ علقمة. قلت: هو أرسلني إليك. قال: ائت مسروقًا. فذهبت إلى مسروقٍ فقلت: ما رأيك في المسألة؟ قال: ائت علقمة. قلت: ذهبتُ إلى علقمة، وعلقمة أرسلني إلى عبيدة، وعبيدة أرسلني إليك. قال: اذهب إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى. فذهبت إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى فكأنَّه كره المسألةَ أيضًا، فعدتُ إلى علقمة فقلت: ما لكم؟ قال: كانوا يقولون: أجرؤكم على الفُتيا أقلُّكم علمًا".
والإنسان حينما يستشعر عظمة الفُتيا، وأنَّه قد يُوقِع الناسَ في خطأ -لا قدَّر الله- يعرف عند ذلك عظمة هذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]، فحينما يُسأل الإنسانُ عن مسألةٍ لا بأسَ أن يُجيب إذا كان يعرف، وإن وجد غيرَه فالأفضل أن يدفع بها إلى غيره.
يقول العلماء: "سرعة الجواب على السؤال أشدّ من فتنة المال".
فبعض الناس عنده شغفٌ ويُحبُّ أن يكون سريعًا في الإجابة، وسريعًا في تقبُّل السؤال، ويرى أنَّ هذا دليلٌ على فهمٍ وحفظٍ وعلمٍ، لكن هذا فتنة للإنسان؛ لأنَّه قد يقع في الزَّلل وهو لا يشعر، وحينما تُوقِع الناسَ في الزَّلل وتُوقِّع عن ربِّ العالمين فقد اقترفت خطأً كبيرًا، وابن القيم له كتاب "إعلام المُوقِّعين عن ربِّ العالمين"، يقول فيه: "إذا كان مَن يُوقِّع عن الملوك بالمحل الكبير، فكيف بمَن يُوقِّع عن ربِّ العالمين؟!". فأنت تقول للناس: هذا حكم الله، وهذا حكم رسوله -صلى الله عليه وسلم.
ذكر العلماءُ قصَّةً تدلُّ على تسارع البعض إلى الجواب عن المسألة دون تَرَوٍّ، يقولون: رجلٌ عاش في باديةٍ، فقال له والده: كلما سُئِلتَ عن مسألةٍ فقل: فيها قولان، وبالفعل فيها قولان: حلال وحرام، وفيها قولان: يجوز ولا يجوز. فجعل الناسُ يشكُّون في أمره، فقال له أحد الناس سريعًا: يا شيخ، أفي الله شكٌّ؟ قال: فيها قولان! لماذا؟ لأنَّه اعتاد على هذه المسألة دون علمٍ ودون رويَّةٍ.
ويذكرون أنَّ رجلًا كان يجلس للناس يُعلِّمهم اللغة العربية، وكلما سُئل عن كلمةٍ قال: نعم، والعرب يعرفون هذه الكلمة، ويبدأ يستدلُّ بأبياتٍ من الشعر.
فقال بعضُ الناس: نُريد أن نجمع كلمةً لا نعرفها نحن. وكانوا ستةً، فقال كلُّ واحدٍ منهم حرفًا واحدًا.
فقال الأول: خاء. وقال الثاني: نون. وقال الثالث: فاء. وقال الرابع: شين. وقال الخامس: ألف. وقال السادس: راء.
فأصبحت "خُنْفُشَار"، فذهبوا إلى هذا الرجل وقالوا له: ما معنى كلمة "خُنفشار"؟ فقال ولم يتروَّ: الخُنْفُشَار هو: نباتٌ طيبٌ بأرض اليمن، إذا وُضِعَ على الحليب راب، والعرب تعرف هذا. ثم قال:
لَقَدْ عَقَدَتْ مَحَبَّتُكُمْ فُؤَادِي *** كَمَا عَقَدَ الحَلِيبَ الخُنْفُشَارُ
فاكتشفوا أنَّه يكذب، وأنَّه يقول ما لا يعلم. ولهذا يقولون: لا تكن خُنْفُشَارِيًّا.
• من الآداب كذلك -وهو الأدب الأخير: التَّهيُّؤ للعلم بالعبادة
أن نتهيَّأ للعلم بالعبادة، فالعلم عبادةٌ تتقرب بها إلى الله، فإذا أردت ثمرةَ العلم، وإذا أردت أن تشعر بلذته؛ فتهيَّأ له بالعبادة، واجعل له قلبًا صافيًا، واجعل له لسانًا ذاكرًا، واجعل له سمعًا لا يسمع إلا إلى ما أباح الله، واجعل له نظرًا لا تستخدمه إلا في طاعة الله، وهيِّئ حياتك للعلم الشرعي بشكلٍ إيجابي.
ولهذا يقول العلماءُ: "كانوا يتهيَّؤون للعلم بالعبادة، وكان أحدُهم قبل أن يكتب الحديثَ يتعبَّد الله -عز وجل- عشرين سنةً".
للعبادة أثرٌ عظيمٌ في حياة طالب العلم. لماذا؟
لأنَّ الله -عز وجل- يقول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]، فبقدر قُربك من الله بقدر ما يفتح الله -عز وجل- عليك من أنواع العلم، ومن أنواع المعارف.
هذه جملةٌ من الآداب التي يجب على طالب العلم أن يُراعيها، وكما ذكرتُ لكم سابقًا أنَّ طالب العلم بحاجةٍ إلى أن يقرأ كثيرًا، خاصَّةً في آداب الطلب؛ ليُقدِّم صورةً ونموذجًا حسنًا عن العلم وأهله، ويكون كما كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فقد كان خلقُه القرآن، فطالب العلم أيضًا بحاجةٍ إلى أن يكون خلقُه القرآن.
vBulletin® Jelsoft Enterprises Ltd , Copyright ©2000-2025