عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-29-2017, 02:20 AM
الصورة الرمزية مصطفى طالب مصطفى
مصطفى طالب مصطفى مصطفى طالب مصطفى غير متواجد حالياً
الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 1,072
مصطفى طالب مصطفى is on a distinguished road
افتراضي رد: تفريغ محاضرة "مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر" للشيخ عبد الله العجيري

تفريغ محاضرة:

مَرْكَزِيَّةُ القُرْآنِ الكَرِيْمِ فِي السِّجَالِ الفِكْرِيّ الـمُعَاصِر


للشيخ: عبد الله العجيري




- والتي أقيمت ضمن زيارة الشيخ للأردن -

1438هـ - 2016

بسم الله الرحمن الرحيم
*[1] الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
مقدمة

في البدء أرحب بالأحبة الزملاء الحضور مشكورين، سواء من الإخوة أو الأخوات، وأثنّي بالشكر الجزيل حقيقة للإخوة في هذه الجمعية الطيبة المباركة على إتاحة هذه الفرصة وهذا المجال للتقدُّم بين يديكم بحديث أعتقد أنه في غاية الأهمية، ولا أخفيكم أني أجد من نفسي حرجًا عظيمًا أن أتحدث عن مثل هذا العنوان الضخم -كما يقال-: (مركزية القرآن في السجال الفكري المعاصر)، ودعوني أسرّب لكم جزءًا من التسريبات بما يتعلق بالإعداد لهذه المحاضرة.

مرَّ عنوان هذه المحاضرة بجملة من الأطوار المتعاقبة، وحصل نوع من أنواع سوء الفهم -إن صحَّ التعبير- فاضطر الإنسان أنه يُقحم بعض القضايا التي هي أكبر دائرة من العنوان الأساسي، العنوان الذي كان مقترحًا للزملاء: (السؤال كأداة للتدبُّر)، ولكن فوجئت أن كلمة (التدبر) لم تُفهم، وكنت متوهمًا أنها مرتبطة بالقضية القرآنية، لكن كان هناك انطباع متخلِّق عن المتحدّث أنه مشتغل بالقضايا والملفات المتعلقة بالمجال الفكري، ففُهم التدبر بالمجال الفكري وكذا، فقلت لهم لا، فخرج العنوان في النهاية كنوع من أنواع الالتقاء في منتصف الطريق؛ أن القضية تتعلق بالتدبر نعم، لكنها تتعلق بتدبر القرآن في المجال الفكري، إن صحَّ التعبير.
في الحقيقة لما بدأ الإنسان بالانشغال فيما يتعلق بملف الإلحاد وملف إنكار وجود الله -تبارك وتعالى- وتوغّل الإنسان فيما يتعلق باستكشاف الدلائل الفطرية المتعلقة بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة والكبيرة جدًا، وما يتعلق بالدلالات العقلية الدالة على وجود الإله، لا أخفيكم أنه ترسَّخ في نفسي من خلال المطالعة والقراءة أن أعظم الحقائق الوجودية على الإطلاق هي حقيقة وجود الرب -تبارك وتعالى-، وأجد مصداق ذلك في القرآن الكريم بقوله -تبارك وتعالى-: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾.

الأمر الهائل بالنسبة لي الذي يتعلَّق بحقيقة هذا الوجود الإلهي، أن الله -تبارك وتعالى- مع عظمته ومع كماله -تبارك وتعالى- ومع استغنائه -تبارك وتعالى- عن خليقته، ومع حقارة وفقر هذا الإنسان، إلا أنَّ هذا الرب الرحيم العليم الحكيم الخبير قد مدَّ حبلًا للتواصل مع خليقته عبر هذا الكتاب العجيب، هذا الكتاب الجليل المهيب العظيم!

نحن نستسهل أحيانًا بعض الحقائق بحكم التديُّن الذين عشنا به، وبحكم أن الإنسان ما فكَّر كثيرًا بطبيعة هذه العلاقة بين العبد وبين ربه -تبارك وتعالى-.

الفلاسفة عندما يتكلمون عن مسألة: ما هي أخصّ صفات الخالق -تبارك وتعالى- بقابل صفات المخلوق، يتحدثون عن صفة الخالق هي الوجوب مقابل إمكان العبد، المتكلِّمة يقولون بالقِدم مقابل الحدوث، ابن تيمية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- وتلميذه ابن القيم لهما تعبير في غاية الأناقة والجمال، يقولون: "أخص صفات الرب -تبارك وتعالى- هو كماله وغناه -سبحانه وتعالى- في مقابل كمال فقر العبد والإنسان".

تخيلوا عقد المقارنة بين الطرفين؛ هذا الرب المتعالي الكامل -سبحانه وتعالى- لما يتواصل مع خليقته بكلامه -تبارك وتعالى-، فهذه قضية ينبغي ألا يتجاوزها الإنسان مُستسهلًا لها، ولذا أحد الشخصيات التي وَعَت هذه الحقيقة العظيمة هو عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- حين قال: "لو صلحت قلوبنا لما شبعت من كلام ربنا"..!

والإنسان عادة يتلقَّى مثل هذه العبارات بنوع من أنواع السطحية، في حين ثمة دلالات ومضامين معمَّقة بما يتعلق بهذه القضية وهذه الحقيقة، خذوا هذه اللقطات العجيبة من سيرة الصديق -أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه-، وحتى ندرك لماذا صار الصديق صديقًا؛ أنه استطاع أن ينفذ بعقله إلى هذه الحقيقة الهائلة الكبيرة؛ أن الرب -تبارك وتعالى- قد بسط رحمته على العبد الفقير بتواصله -تبارك وتعالى- معه بأن يكلمه ويُنزل إليه وحيًا ويصطفي إليه رسولًا يبلّغه وحيه وكتابه..

تبتدئ هذه الحكاية في طبيعة الحال مع النبي ﷺ، النبي ﷺ يتحدَّث عن نفسه بعد حادثة الإسراء والمعراج يقول: "لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَفَظَعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيّ"، النبي ﷺ مشاعره الأوليَّة التي يعبّر عنها ابن عباس صريحًا في الرواية: "فأصبح النبي ﷺ مهمومًا حزينًا"، دائمًا لما أقف مع هذا الحديث عند هذه اللفظة كان يبرز إلى ذهني تساؤل معيّن: ما الذي حمل النبي ﷺ أن يكون مهمومًا حزينًا؟!

كنت أتوقع أن النبي ﷺ سوف يكون مسرورًا مبتهجًا سعيدًا بعظيم منة الله -تبارك وتعالى- عليه، تخيلوا أن النبي ﷺ أُسري به إلى بيت المقدس، وصلَّى بالأنبياء والمرسلين، بعد أن أُسري به على ظهر البراق، عُرج به إلى السماء مع جبريل -عليه السلام-، قابل الأنبياء والمرسلين وسلَّم على إخوانه وأصحابه، وأفضى إلى الله -تبارك وتعالى-، وخاطب الله -تبارك وتعالى- مخاطبة مباشرة، وكلَّمه الله -سبحانه وتعالى- وأفضى إليه بإجاب الصلاة، رأى من آيات ربه الكبرى..

تخيلوا ضخامة الحدث الذي جرى للنبي ﷺ والذي يُفترض أن يكون الإنسان سعيدًا مسرورًا بهذه النعمة الهائلة التي أفضى الله -تبارك وتعالى- بها عليه.
العلماء يتكلَّمون أن جزءًا من الحكمة الإلهية بما يتعلق بحدث الإسراء والمعراج هو التسلية والتسرية عن النبي ﷺ على عقب عام الحزن وعلى عقب تكذيب أهل الطائف له ﷺ. فما بالك يا رسول الله مهمومًا حزينًا؟!

لأن من كمال رحمة النبي ﷺ بمن يدعوهم أنه يعرف أنه رسول الله، وأن واجبًا عليه أن يبلّغ الناس الخبر، وهو مدرك ﷺ ضخامة الخبر، فكيف سيصدّقه الناس؟!

يقدّر الله -عز وجل- لنبيه ﷺ أن أول رجل يمر عليه وهو في هذه الحال هو أبو جهل، فتقول الرواية: "فقال له أبو جهل كهيئة الساخر به"؛ أي أنه يورد عليه السؤال وحقيقة هذا السؤال ومضمونه السخرية بالنبي ﷺ، "يقول: يا محمد هل كان من شيء؟"؛ يعني هل عندك خبر جديد؟ وحي جديد؟ قصة جديدة؟ على هيئة السخرية.

فقال له النبي ﷺ: "نعم"، قال: "وما ذاك؟"، قال: "أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس"، ولم يدعه أبو جهل يكمل كلامه فقال: "وأصبحتَ بين ظهرانينا؟!"، فقال النبي ﷺ: "نعم". فقال: "يا ابن أخي"، ولاحظوا تغيُّر اللفظ، فهناك نوع من الخبث ومحاولة المقاربة وتلطيف الأجواء، قال: "يا ابن أخي إن جمعتُ لك قومك تحدثهم بالذي حدثتني به؟"، قال النبي ﷺ: "نعم"، فبدأ أبو جهل يصيح: "يا معشر قريش، يا معشر كعب بن لؤي.."، وجمَّع القرشيين حول النبي ﷺ وقال بخبثه: "يا ابن أخي حدّثهم بالذي حدَّثتني به"، فقال النبي ﷺ ملتفتًا إلى الناس: "إنه قد أُسري بي الليلة إلى بيت المقدس"، ونفس الموقف الذي حصل من أبي جهل فصرخ الجمع: "وأصبحت بين ظهرانينا؟"، فقال النبي ﷺ: "نعم"، تقول الرواية ولاحظوا دَّقة توصيف الصحابي الذي يشهد هذا المشهد: "فما بين ضارب كفًا بكف وما بين واضع يديه على رأسه".

"فما بين ضارب كفًا بكف" كأن لسان حاله يقول أن هذا الرجل قد جُنّ، "وما بين واضع يديه على رأسه" كأنه يقول: ما أكبرها من كذبة!

الشاهد من الرواية والقصة طويلة-: "وذهبت جماعات من الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا له: أما علمت ما يقول صاحبك؟ قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس وأصبح بين ظهرانينا"، لاحظوا أن اللطيف في الرواية أن لا أحد حتى الآن علم بموضوع المعراج، ما زال الاستشكال حول موضوع الإسراء وما يتعلَّق به.

فقال أبو بكر -رضي الله عنه وأرضاه- عبارة منهجية تعبّر عن لب دين الإسلام: "لئن كان قاله فقد صدق"؛ يعني القضية وما فيها عند أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- ليست بطبيعة مضمون الكلام الخارج من شفتي النبي ﷺ كي يصدقه أو لا يصدقه، القضية التي تهمه هل خرج هذا الكلام من شفتي النبي ﷺ أم لا؟ إن خرج فهو صادق ﷺ، وإلا فقد كُذب عليه. فقالوا له، وهنا موضع الشاهد: "عجبًا لك يا أبا بكر أتصدقه بمثل هذا؟ فقال -رضي الله عنه وأرضاه-: إني لأصدقه بأعظم من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء يأتيه في لحظة".

لاحظوا إدراك أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه- لهذه الحقيقة؛ أن هذا القرآن هو أعظم الآيات وأعظم الحقائق التي خاطبنا الله -تبارك وتعالى- بها، والتي كشفت له عن هذا المبدأ العظيم الذي يُفضي بالإنسان إلى التسليم لله -تبارك وتعالى-، وهو الذي أفضى به رضي الله عنه وأرضاه إلى منزلة الصِّديقية. حتى أن ابن القيم في بيان منزلة التسليم في (مدارج السالكين) كان يتحدث أن أكثر الناس صديقية أكثرهم تسليمًا، أن هناك قناة ومعبرًا يُفضي بالعبد إلى منزلة الصِّديقية وهو تمام التسليم.

فكيف تشكَّلت هذه الروح المسلِّمة لله -تبارك وتعالى- المصدِّقة له ﷺ ؟ تشكَّلت في ظل وعيه بهذه الحقيقة الوجودية الهائلة، وهي أن المؤمن حينما يعتقد أن هذا الرب الخالق الرحيم العظيم الكبير -سبحانه وتعالى- قد اتَّصل بعباده بهذا الكتاب ينبغي أن تكون بقية القضايا سهلة، العقل البشري للإنسان إذا استطاع استيعاب مثل هذه الحقيقة الوجودية الكبرى لا ينبغي أن يتوقَّف كثيرًا عند التفاصيل.

من القصص المؤثرة التي قرأتها قديمًا في صحيفة (العالم الإسلامي) لرئيس التحرير واسمه مراد عرقسوس، وكلما أستحضر هذه القصة أشعر بعظيم منَّة الله -تبارك وتعالى- أن وُجدنا في زمان ومكان يستطيع الإنسان منا أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى- مباشرة..

تقول القصة، وهي في إحدى قرى جمهورية أوزباكستان -في الاتحاد السوفييتي المسبق-: "أدركتنا صلاة العصر ونحن بالقرب من أحد المساجد فولجنا لأداء الصلاة، وبد انتهائها رأيت المصلِّين يتسابقون للجلوس في طابور طويل يبدأ عند أحد أعمدة المسجد وينتهي عند المدخل"، مشهد غريب!

يقول: "ثم قام إمام المسجد بعد ذلك بفتح صندوق حديدي مثبّت في المسجد وأخرج مصحفًا قديمًا، وبدأ كل واحد في المسجد يقرأ صفحة واحدة من المصحف تحت إشراف الإمام ويغادر المسجد ثم يأتي الذي يليه وهكذا، ثم تبيَّن أن هذا الطابور من المصلين ينتهي عند صلاة المغرب؛ نظرًا لأن هذا المسجد لا يوجد فيه سوى هذا المصحف فقط، وأن جميع المصلين لا يملكون مصاحف خاصة بهم في منازلهم..."!

لما قرأت هذه القصة الحقيقة أذهلتني!، يعني هل يُتصوَّر أنه يوجد مسلم يجد معاناة ليس في مجاهدة نفسه على تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى-، على تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-، يجد معاناة للوقوف فقط على آياته -تبارك وتعالى-، ونحن نعيش بحمد الله في زمان يستطيع الإنسان أن يُفضي إلى كتاب الله -تبارك وتعالى- بكل سهولة ويسر، إن لم يكن مصحفًا مطبوعًا، حتى الأجهزة الكفيَّة تجد فيها مصحفًا تستطيع الإفضاء إلى كتاب ربك -تبارك وتعالى- مباشرة.

طبعًا بحمد الله -تبارك وتعالى- ومِنَّته نحن نعيش في سياق زمني ثمة نوع من الأوبة والعودة إلى الاهتمام بالنص القرآني، يعني لما أعود بالذاكرة إلى بداياتي في طلب العلم كانت القضية العلمية الشائعة بين طلبة العلم ما يتعلق بعلوم الحديث النبوي، ما يتعلق بالمجال العقدي الفقهي، أما دروس التفسير وكتب التفسير فلم تكن محلَّ حفاوة كبيرة عند جموع غير قليلة ممن هم من أقراني، وأنا منهم، فيما يتعلق بعلوم القرآن الكريم.

بحمد الله -تبارك وتعالى- نحن نعيش في زمان باتت تشكَّل فيه مؤسسات ومراكز بحثية مهمومة بالنص القرآني، ثمة كتابات متعدِّدة من المراكز البحثية الموجودة عندنا في المملكة أنتجت من الكتب المتصلة بتفسير القرآن وعلوم القرآن وما يشتمل ذلك عليه، ربما ما طُبع في الخمس سنوات الماضية أكثر مما طُبع خلال العشرين سنة المسبقَّة عليها.

أنا من أحد الناس الذين إذا أرادوا قراءة (تفسير الحافظ ابن كثير) كانت عندنا طبعة "تجارية رديئة" هي المشهورة، وكانت هناك طبعة نادرة لا يكاد يقف عليها إلا عدد قليل جدًا من طلبة العلم، الآن بحمد الله -تبارك وتعالى- تتحدَّث عن طبعات متعددة جيدة لتفسير الحافظ ابن كثير، وعندنا رموز مشيخيَّة مختصة في مجال القرآن؛ مثلًا عندنا الشيخ مساعد الطيار، والشيخ عبد الرحمن الشهري، الشيخ محمد الخضيري، والشيخ عمر المقبل، وغيرهم من المشايخ المختصين بعلوم التفسير والقرآن الكريم. فبحمد الله تعالى عندنا نوع من الاعتناء الحقيقي بالقضية القرآنية.

من الشخصيات التي وجدت فعلًا أنها بثَّت وعيًا حسنًا فيما يتعلق بالقضية القرآنية داخل المنظومة الفكرية والمعادلات الفكرية، شخصيتان في هذا الزمان؛ أذكرهم كتمثيل وتطبيق، لأن الإنسان يجد أن مشروع القضية القرآنية حاضر في طبيعة الأدبيات والأطروحات التي يقدٍّمانها، رجل من المشرق العربي ورجل من المغرب، شاب وشيخ، حيّ بحمد الله -تبارك وتعالى- ومتوفَّى نسأل الله تعالى أن يرحمه..
· الشيخ المشرقي أحد الأصدقاء والأحباب المتميزين سواء على مستوى المعارف الشرعية أو المعارف الفكرية، وهو الشيخ إبراهيم السكران -حفظه الله تبارك وتعالى-.

الذي يطالع أطروحات الشيخ إبراهيم السكران فإن عينه لا تُخطئ حجم الاحتفاء الذي يُبديه الشيخ بما يتعلق بالقضية القرآنية، وعلى مستوى المشهد المحلي السعودي هو أحد الشخصيات المركزية التي جعلت للنص القرآني حضورًا متقدِّمًا خاصة بما يتعلق بالوعي الشبابي، بالذات بما يتعلق بالمجالات الفكرية.

له كتاب جميل يعبّر فيه عن التَّنظريات المتعلقة بالخطوط العامة لمشروعه المتعلّق بالقضية القرآنية، عنوان هذا الكتاب: (الطريق إلى القرآن)، وهو بحمد الله -تبارك وتعالى- منتشر وموجود كذلك بصيغة (pdf) في النت[2].

في كتابه (الطريق إلى القرآن) له مقالة مبدعة في الحقيقة من مقالاته، عنوان هذه المقالة معبّر وضروري أن ندركه بما يتعلق بارتباط القضية القرآنية في الفضاء الفكري المعاصر، عنوان هذه المقالة الجميلة: (تطويل الطريق)[3].

ودعوني أقتبس لكم ثلاثة اقتباسات سريعة تعبر عن الروح التي ينبغي أن نكون مستصحبينها بما يتعلق بالقضية القرآنية وصِلتها بالسجال الفكري المعاصر، يقول في كلام لطيف في أول المقالة:

"حين أسمع بعض المفكرين الإسلاميين يتكلمون عن ضرورة مقاومة وتفنيد الأفكار الضالة الجديدة عبر دراسات فكرية موسعة؛ فلا أخفي أنني أحترم تمامًا حرصهم على سلامة التصورات الإسلامية من الاجتياح العلماني المعاصر .. لكنني أرتاب كثيرًا في نجاعة هذا الأسلوب الذي يريدون .. عندي وجهة نظر لكني لا أبوح بها كثيرًا .. لأني أرى بعض المفكرين الإسلاميين يتصور أنها نوع من التثبيط والتخذيل، فلذلك ألوذ بالصمت ..

وجهة نظري هذه بكل اختصار هي أن أمر الانحرافات الفكرية المعاصرة أسهل بكثير بكثير مما نتصور .. فلو نجحنا"، وهنا موضع الشاهد الذي ينبغي للإنسان أن يستصحبه وأن يبث الوعي به لمن حولنا، يقول: "فلو نجحنا في تعبئة الشباب المسلم للإقبال على القرآن، وتدبر القرآن، ومدارسة معاني القرآن، لتهاوت أمام الشاب المسلم -الباحث عن الحق- كل التحريفات الفكرية المعاصرة ريثما يختم أول (ختمة تدبر)"..

هذا الكلام في الحقيقة بالنسبة لي كلام عظيم وكلام جليل وكلام حق..

ويقول الشيخ بعدها في موضع آخر:

"قراءة واحدة صادقة لكتاب الله تصنع في العقل المسلم ما لا تصنعه كل المطوَّلات الفكرية بلغتها الباذخة وخيلائها الاصطلاحي ..
قراءة واحدة صادقة لكتاب الله كفيلة بقلب كل حيل الخطاب الفكري المعاصر رأسًا على عقب ..".

في آخر المقالة يقول عبارة جميلة:

" أعطوني ختمة واحدة بتجرُّد أعطيكم مسلمًا سنيًا سلفيًا حنيفًا .. ودعوا عنكم خرافة الكتب الفكرية الموسعة .."

المقالة الحقيقة جميلة، والكتاب في مجموعه جميل.
والشيخ -كما سنبين في نهاية الموضوع- يمارس هذه الوصية عمليًا من خلال كتاباته، وسأذكر لكم تطبيقًا عمليًا يبيّن هذا.

· الشخصية المغاربية: هو د. فريد الأنصاري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-.
له مجموعة من الكتب ومجموعة من الرسائل، من رسائله رسالة جميلة اسمها: (هذه رسالات القرآن فمن يتلقَّاها؟)[4]، يرسم فيها كذلك ملامح مشروعه بما يتعلق بالقضية القرآنية، وهي من ضمن سلسلة عنوانها: (من القرآن إلى العمران)، فأحد المشاريع الأساسية لهذا الشيخ قضية كيف نستطيع الانتقال بالقضية القرآنية من عالم القرآن إلى عالم العمران، وفق المصطلح القرآني، فالعمران ليس المقصود به العمران الدُّنيوي الحضاري، بل العمران بمفهومه الأشمل: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ﴾، كذلك يُدخل فيها العمران الديني، مشروع جميل الحقيقة.

وله عدد غير قليل من الكتب الـمُحتَفية بالقضية القرآنية، فعنده هذا وهو الجزء الخامس من من سلسلة (من القرآن إلى العمران) ، وله سلسلة (مجالس القرآن).
فكلا الشخصيتين مشكورين قد قدَّم منتجًا جيدًا فيما يتعلَّق بالقضية القرآنية وصِلة هذه القضية القرآنية بفضاء الفكر المعاصر، وكيف يستطيع الإنسان أن يعالج كثيرًا من الإشكاليات الموجودة في هذا الفضاء في ظل النص القرآني.

طبعًا الموضوع اليوم بإذن الله -تبارك وتعالى- السؤال المركزي والأساسي: كيف نستطيع أن نجعل من النص القرآني مصدرًا حقيقيًا في بناء تصوُّراتنا، قناعاتنا، عقائدنا، أفكارنا؟

كيف يستطيع الإنسان في ظل النص القرآني أن يرتب أولويات المشروع الإنساني؟ وأن يحدّد موقع الحضارة المدنية المعاصرة في ظل الخارطة الإسلامية، وكيف يستطيع الإنسان أن يجيب على سؤال العلاقة بين الدنيا والآخرة، وأهم السؤالات المتعلقة بالفضاء السياسي الفكري التي يستطيع الإنسان أن يستجلب جواباتها من النص القرآني.

عندنا مجموعة غير قليلة من الدعاة، من السؤالات الفكرية المعاصرة كيف يستطيع الإنسان أن يستعرضها على سير وقصص الأنبياء المحكيَّة في القرآن للتفتيش عن جوابات هذا السؤال.
الإمام الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود له عبارة في الحقيقة جدًا جميلة، وهي الرُّوح التي يجب أن نستصحبها في خلال هذا الموضوع، يقول: "إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين[5]".

-----------------------

[1]تسجيل المحاضرة: https://soundcloud.com/muslima-a/o6vj58rg2glm

[2] (الطريق إلى القرآن): http://books.islamway.net/1/2629/8625.pdf

[3] مقالة (تطويل الطريق): http://www.saaid.net/Doat/alsakran/18.htm

[4] http://forums.way2allah.com/showthread.php?t=268771

[5] محاضرة (تثوير القرآن) للشيخ عمرو شرقاوي مفيدة في الباب:
https://www.youtube.com/watch?v=VYDuThliX14&t=117s
__________________
[align=center]

[/align]
رد مع اقتباس