عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-29-2017, 02:28 AM
الصورة الرمزية مصطفى طالب مصطفى
مصطفى طالب مصطفى مصطفى طالب مصطفى غير متواجد حالياً
الإدارة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 1,072
مصطفى طالب مصطفى is on a distinguished road
افتراضي رد: تفريغ محاضرة "مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر" للشيخ عبد الله العجيري

هذا الدرس هو سعي لمحاولة استكشاف بعض الأدوات التي نستطيع من خلالها أن نُثير النص القرآني؛ لأني وجدت أحد الإشكاليات العميقة التي تتعلق بموضوع تدبر القرآن الكريم، لا أخفيكم أنني حضرت عددًا غير قليل من الدروس العلمية التي تتعلَّق بموضوع تدبر القرآن الكريم، وكانت المعاناة التي تصادفني دائمًا هو أنني لا أستطيع ممارسة هذا الدور عمليًا، يعني أكون مشحونًا إيمانيًا بالرغبة بممارسة هذا الدور وهذا الفعل على الناحية الفعلية العملية لكن أجد نفسي غير قادر على الممارسة العملية.

دعونا نمثّل مدلول هذه المسألة بمسألة أخرى شهيرة وقريبة، ودعنا نقل أنها تمّثل الصورة الأخرى من العمدة -كما يقال-، أذكر أنني حضرت مع بعض الزملاء وحضرت العديد من الدروس بما يتعلق بعبودية التفكر؛ كيف يتفكَّر الإنسان بخلق الله -تبارك وتعالى-، كيف يُفضي الإنسان إلى التعرُّف على عظمة الله -تبارك وتعالى-، على كمال حكمته، كمال علمه -تبارك وتعالى-، من خلال تأمل العبد بمخلوقاته -تبارك وتعالى-.

وكان يتأثر الإنسان حين يقرأ أو يسمع قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ..﴾ الآيات، يتأثر الإنسان، ويتأثر أكثر حين يسمع الخطاب النبوي: "ويل لمن قرأها ولم يتفكَّر فيها".

يستشعر الإنسان أنه ينبغي أن يمارس هذه العبودية..

أذكر أني كنت مع جمع من أصحابي في البرية، فألقى أحد الإخوة كلمة طيبة عن عبودية التفكر، وساق بعض الآثار السلفية الشهيرة: "لئن أتفكر ساعة أحب إليّ من قيام ليلة"، وشحن النفوس بما يتعلق بهذه العبودية، لا أخفيكم أننا لما انتهينا من الدرس تنحَّيت جانبًا قليلًا، وأبعدتُ في ظلمة الليل، وجلست أنظر للسماء وأنظر للقمر وأنظر إلى النجوم ساعيًا لأن أمارس عبودية التفكُّر.

المعاناة التي واجهتها أني جلست أتأمل في وجه القمر -كما يقال- وبدأت أعصر مخي أريد أن أتفكَّر، وأريد أن أتفكر وأشعر بالشعور الإيماني الناتج في ظل تأملي في خلق الله -تبارك وتعالى- ما أخفيكم أني في النهاية شعرت أني لا أعرف كيف يمكن أن أمارس هذه العبادة.

بالنص القرآني نفس الإشكالية، أذكر أني مرة في المرات قرأت في الموضوع فقلت بإذن الله -عز وجل- سأختم القرآن ختمة تدبرية، ففتحت المصحف وبدأت أتلو كتاب الله -تبارك وتعالى-، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ وبدأت أسترسل في القراءة، فوجدت أنه ليس هناك فارق موضوعي حقيقي بين هذه التلاوة وبين فكرة التدبر، فلست أعرف كيف أتدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-.

فالأزمة التي تتشكَّل وأظن أنها تحتاج نوعًا من أنواع المعالجة وعلى المختصين أن يوعُّوا الناس بها؛ كيف يستطيع الإنسان عمليًا أن يمارس هذه العبودية؟ هل بإمكان الإنسان أن يتملَّك بعض الأدوات المعينة التي يستطيع من خلالها فعلًا أن يُفضي إلى التدبر؟

بإذن الله -تبارك وتعالى- درسنا اليوم هو سعي بما يتعلق بهذه القضية.

مسألة تدبر القرآن الكريم ليست من القضايا الثانوية الهامشيَّة في علاقة المسلم بالقرآن الكريم، بل هي أحد أنماط التعبُّد التي أمرنا الله -عز وجل- بها حيال كتابه -تبارك وتعالى-؛ ثمة عبادة تلاوة القرآن الكريم، وحفظ القرآن الكريم، وكذلك التدبر من العبوديات التي ينبغي أن يمارسها المسلم مع كتاب ربه -تبارك وتعالى-.

إحدى القضايا السِّجالية في الإطار الفقهي: أيهما أفضل أن يتكثّر الإنسان من عدد الآيات وإن قلَّ من التدبر عنده، أم يتكثَّر الإنسان من تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى- وإن قلّت الختمات؟

المسألة جدلية في الإطار الفقهي، والطريف في الموضوع أني وجدت أن هذه المسألة في حقيقة الأمر أحد فروع القواعد الفقهية محل الجدل والسجال التي أفرزت الجدل في هذه القضية وغيرها من التنظيرات الموجودة في المجال الفقهي. يعني لما كنت أقرأ في كتاب (القواعد) لابن رجب -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- فوجئت أنه وضع عنوانًا فيما يتعلق بهذه القضية، ثم بنى على هذا الأصل من اختلاف الفقهاء في الإسلام من الأحكام التعبدية الكثيرة، تجد بعض العلماء يفضّل أن يكثر الإنسان من عدد الركعات على تطويلها، والبعض الآخر يفضل تطويل عدد الركعات وإن قلَّت.

مثلًا تكثير الصدقة على سبيل المثال من جهة الأفراد والأعيان على حساب الجودة وإن قلَّت، فتجد أن هناك رؤية موجودة في الإطار الفقهي، وفي النصوص الشرعية ما يخدم هذه الضفة وتلك الضفة، مثلًا النبي ﷺ يقول: "من قرأ حرفًا من كتاب الله كتب الله -تبارك وتعالى- له بكل حرف حسنة، لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف"، وبالتالي تكثُّر المسلم من قراءة أحرف كتاب ربه -تبارك وتعالى- مما يصب في حسناته.
بمقابل في آيات أُخر تدل على أن من حكمة الله -تبارك وتعالى- من تنزيل هذا الكتاب هي أن يُتدبَّر؛ يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾، ويقول الله -عز وجل-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، ويقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾؛ وبالتالي الأداة التي يستطيع الإنسان أن يتوثَّق بها من صحة هذا النص القرآني أن يُتدبَّر؛ فيُنظر هل ثمة اختلاف داخلي في هذا القرآن؟ هل ثمة اختلاف بين القرآن والحقائق القطعية الموجودة في الخارج؟ فإن انتفت هذه وتلك فإنه يدل صدقًا على أنه من عند الله -تبارك وتعالى-.

بل تدبر القرآن يعطي الإنسان إطلالة على منسوب قلبه الإيماني وإدراك وضع قلبه، كما يقول الله -تبارك تعالى-: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾، وبالتالي فأنت حين تريد أن تدرك موضع قلبك في مجال الإيمان ففتِّش عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى- في حياتك.

وأحد التمثيلات الجميلة التي ساقها الإمام ابن القيم كحل لهذه القضية في (مفتاح دار السعادة)، يقول: "مثل الإنسان الذي يتكثَّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- دون أن يتدبَّره كمثل رجل تصدق بدنانير كثيرة، ومثل الذي من قلَّل قراءته متدبرًا كمثل من تصدق بجوهرة عظيمة، فقد تكون الجوهرة العظيمة تربو على الدنانير الكثيرة، وقد تربو الدنانير الكثيرة على تلك الجوهرة المتصدَّق؛ بها بحسب طبيعة ونمط ذلك التدبر".

فهذه أحد المخارج، وحقيقة أظن أن الجدل الطويل حول هذه الحقيقة لا يفيد كثيرًا؛ لأنه لا تعارض حقيقة بينهما، فأعتقد أنه بإمكان المسلم أن يجمع بين التكثُّر من تلاوة كتاب ربه -تبارك وتعالى- بحيث تتعزَّز هذه العلاقة مع القرآن الكريم، مع مراعاة أن يكون للإنسان حظ في تدبر كتاب ربه -تبارك وتعالى-.
من العبارات العجيبة التي ذكرها الإمام الوزير ابن هُبيرة -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، وذكرها الإمام ابن رجب في (ذيل طبقات الحنابلة)، وهي تأخذ في سدّ أحد منافذ الشيطان على المسلم حين يريد ممارسة هذه العبودية، وتأملوا في دقة المتقدّمين في استِرواح طبيعة النفس البشرية، يقول: "من مكائد الشيطان تنفيره عباد الله من تدبر القرآن، لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول -أي الشيطان للإنسان-: هذه مخاطرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تورعًا"؛ يعني أحد المداخل التي يمكن أن ينفذ من خلالها الشيطان للإنسان، كما قال الصديق -رضي الله عنه وأرضاه-: "من أنا لأقول بكتاب الله ما لا أعلم".

فأحد المداخل التي ينبغي على الإنسان أن يتفطَّن لها أنه قد يدخل عليه داخل من الشيطان بتصنُّع التورع عن تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-.

فكيف يستطيع الإنسان أن يحسم مادة الجهل؛ لأنه قد يقع الإنسان في مطب وإشكال حقيقي بأن يُفضي الإنسان إلى القرآن مباشرة من غير أن يكون مُهيَّأً لممارسة هذه العبودية؟

إذا استحضر الإنسان أن الله -تبارك وتعالى- يطلب من العبد أن يتدبر كتابه فينبغي أن يُعدَّ عدَّة هذا التدبر، وسنذكر في ثنايا الموضوع ما يكشف عن هذه المسألة. ولكن من أراد معالجة ما يتعلق بهذه الإشكالية والشبهة تفصيلًا أنصحه بكتابين:

- الكتاب الأول: تعرَّض لها د. فريد الأنصاري في كتابه (هذه رسالات القرآن فمن يتلقاها؟)، أورد الإشكال الذي قد يطرأ في النفس وحاول الإجابة عليه.
- والشيخ مساعد الطيار في كتابه الذي طُبع وجُمعت فيه رسالات الشيخ ومقالاته، أورد أحد السؤالات المتعلقة بهذه القضية وقدَّم جوابًا حسنًا مطولًا عليه[6].

ولكن زبدة الكلام نذكرها من خلال عبارة للإمام الطبري -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، تقول هذه العبارة: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعلَّم تأويله كيف يلتّذُّ بتلاوته!"؛ باب التدبر في حقيقة الأمر يبتدئ بالخطوة الأولى بتفسير القرآن الكريم.

الإمام الطبري يقول: "إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يتعلَّم تأويله"؛ أي تفسيره، "كيف يلتّذ بتلاوته"؛ كيف يستطيع العبد المؤمن أن يتلذَّذ بتلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى- ما لم يكن مدركًا لتفسير هذا الكتاب العزيز؟!

درسُنا اليوم بإذن الله -عز وجل- يدور حول أداة واحدة، آلية معينة يستطيع الإنسان أن يُفضي من خلال قوة هذه الأداة والآلية إلى فعل حقيقي من تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-. وحين تنبّهت إلى هذه القضية باتت تلاوتي لكتاب الله -تبارك وتعالى- مختلفة تمامًا، وقُلبت علاقتي بالنص القرآني -كما يقال- رأسًا على عقب، الأداة باختصار شديد هي: أداة التساؤل والاستشكال.

----------------------

[6](مقالات في علوم القرآن وأصول التفسير) / الشيخ مساعد الطيار: http://ar.islamway.net/book/21134/%D...9%8A%D8%B1-2-1
__________________
[align=center]

[/align]
رد مع اقتباس