
01-29-2017, 02:32 AM
|
 |
الإدارة
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 1,072
|
|
رد: تفريغ محاضرة "مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر" للشيخ عبد الله العجيري
أداة التساؤل والاستشكال
ودعونا نقسِّم كيفية إعمال هذه الأداة على ثلاثة مستويات:
· المستوى الأول: تدبر القرآن على مستوى المفردة القرآنية.
· المستوى الثاني: تدبر القرآن على مستوى التركيب والجملة القرآنية.
· المستوى الثالث: الإفضاء إلى عوالم العلوم القرآنية.
ودعونا نتوقَّف مع كل واحدة منها وقفة حتى يدرك الإنسان كيف يوظّف أداة التساؤل في خدمة فعل التدبر، وتسهيله ابتداءً[1].
¬ تدبر القرآن الكريم على مستوى المفردة القرآنية كيف يكون؟
أحد المباحث في علوم القرآن الكريم ما يُعبَّر عنه بـ(غريب القرآن الكريم)، يعني كثير من المسلمين حين يفضي إلى كتاب ربه -تبارك وتعالى- تاليًا له يتعرَّض لبعض المفردات التي لا تنتمي للقاموس المعجمي المعاصر، ليست في محل التداول المعاصر، بمعنى آخر لو قرأ جملة عريضة من المسلمين وقمنا بعملية للاختبار على سبيل المثال وقلنا ما معنى قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾؟ ما معنى (الفلق)؟ أنا أزعم أم كثيرًا من المسلمين سيكون جاهلًا بمدلول كلمة (الفلق).
ويقول الله -عز وجل- بعدها: ﴿ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، أنا أظن أن (غاسق إذا وقب) هذه مُهلكة -كما يقال-، ما معنى غاسق؟ وما معنى وقب؟
ويقيس الإنسان نماذج متعددة في القرآن الكريم؛ ﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴾ مثلًا.
بالنسبة إليّ مقام الجهل بمدلول هذه الألفاظ القرآنية ليس إشكالًا، هذه وضعية طبيعية تمامًا، ولذلك العلماء لاحظوا هذه المسألة فوضعوا مؤلفات وكتبًا من أجل معالجة هذه الإشكالية، فهذه قضية طبيعية وليست محلَّ إشكال.
لكنَّ الـمَعيب بالمسلم حينما يتلو كتاب ربه -تبارك وتعالى- فتمرّ به هذه الألفاظ الغربية عليه أن لا يتفجّر في نفسه السؤال: ما معنى هذه الكلمة؟
فهنا قوة أداة السؤال؛ حين تقرأ القرآن مستحضرًا أداة التساؤل لا يكون تعاطيك مع القرآن الكريم مبنيًا على فكرة "الزحلقة"؛ بمعنى أن تقرأ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾، كأنك تتبرَّك بجريان هذه الألفاظ القرآنية على لسانك، بل عندما تقرأ: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ من الضروري أن تتوقَّف وتسعى لمعرفة معنى هذه المفردة.
من التجارب التي مررت بها حين كنت أمارس هذه القضية، كان عندي كتاب من كتب غريب القرآن الكريم فكنت أرجع إلى الألفاظ القرآنية، لكن وقعت في مأزق وإشكال عظيم؛ يمرُّ عليَّ اليوم واليومان والأسبوع والأسبوعان والشهر، ثم لما أُفضي مرة أخرى إلى تلاوة كتاب الله -تبارك وتعالى- بعد أن حللت أزمة المفردات القرآنية أُفاجَأ بأنني حين تعرِض عليَّ اللفظة مرة ثانية أنسى ما معنى هذه الكلمة التي طالعت وحاولت أن أتعرف على معناها!
إحدى المعالجات التي مارستها شخصيًا ووجدتُ أثرها، بل أثرها فيمن حولي ممن نصحت بهذه القضية فشكرني على هذه الفكرة؛ أني كنت حين تعرض لي كلمة لا أعرف معناها أقيّد هذه الكلمة في دفتر خاص بي ثم أُفضي إلى كتاب متعلّق بالمفردات القرآنية أو غريب القرآن الكريم، وكان الكتاب الذي انتقيته لنفسي لممارسة هذه القضية كتاب (مفردات غريب القرآن) للراغب الأصفهاني[2].
طبعًا عندنا في علوم القرآن كتب (غريب القرآن) وهي الكتب التي تضم الألفاظ التي يستشكل معناها على كثير من الناس. كتاب (المفردات) ميزته أنه لا يترك لفظة قرآنية دون أن يقدّم تفسيرًا لها، ومن العجائب التي تدل على سعة علم واطلاع وعناية وتحرير الإمام؛ أن الذي فات الإمام الراغب الأصفهاني من كل الألفاظ القرآنية ربما ستة ألفاظ فقط التي تم التَّعقُّب عليه بأنه نسي أن يحررها في كتابه، وحررها محقق الكتاب، وأفضل طبعة هي طبعة دار القلم.
فالذي كنت أفعله أن أرجع إلى (مفردات القرآن) للراغب الأصفهاني فأقيد المعنى الذي ذكره الراغب لتلك اللفظة ثم أُديم النظر في هذا الدفتر، لأني صنعت لنفسي دفترًا هو من قبيل غريب القرآن بالنسبة إلي. فالكتب المؤلَّفة في مجال غريب القرآن هي عمليًا محاولة أن تستصحب ما الذي ينبغي أن يوضع مما يستشكله جموع الناس، لما تقرأ كتب غريب القرآن تدرك أن ثمة ألفاظًا قرآنية كثيرة جدًا تعرف معناها وليس عندك إشكال فيها، والقليل منها هو الذي تحتاج أن تُفرده بالبحث بجهة خاصة.
فميزة هذا الدفتر وإدامة النظر فيه هو الذي يعبر عن مراتب الإشكال الذاتية المتعلقة بك، فبالتالي يستطيع الإنسان فعلًا أن ينقل نفسه نقلة نوعية في تثبيت مثل هذه الألفاظ القرآنية.
والخطوة الأولى أن يفضي الإنسان إلى تدبر كتاب الله -تبارك وتعالى-، ثم يفضي إلى ما يتعلق بإدخال النص القرآني كحل لمعضلات وإشكالات فكرية عبر معرفة معاني كتاب الله -تبارك وتعالى-. والخطوة الأولى تبدأ بالمفردة القرآنية.
وهناك كتب متعدّدة في غريب القرآن بالمناسبة، ومن الكتب التي أعجبتني حقيقة كتاب (السراج في غريب القرآن) للشيخ محمد الخضيري، والكتب متعددة وكثيرة جدًا وأظن أن أي كتاب بالجملة يُغني، ولكنني لا أنصح كثيرًا بمجرد معاودة النظر فيها، ولا أنصح أكثر بالمصحف الذي يكون لفظ غريب القرآن موجودًا على هامشه؛ لأني وجدت بالتجربة أن هذه المعاني تتفلَّت بالعادة كما تتفلَّت الجمل من عُقلها..
-----------------------------
[1] محاضرة أنصح بها بعنوان (آية وغاية) للدكتور إياد قنيبي، جاءت على شكل سؤال وجواب:
https://www.youtube.com/watch?v=eJjTjjNssmQ
http://a.top4top.net/m_2349i293.mp3
[2](مفردات غريب القرآن) http://waqfeya.com/book.php?bid=9614
__________________
[align=center] [/align]
|