
01-29-2017, 02:40 AM
|
 |
الإدارة
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2015
المشاركات: 1,072
|
|
رد: تفريغ محاضرة "مركزية القرآن الكريم في السجال الفكري المعاصر" للشيخ عبد الله العجيري
دعونا نسلّط ذات الأداة ونطبقها فيما يتعلق بقضايانا الفكرية المعاصرة، ونختم الموضوع بما يتعلق بهذه الجزئية..
الشيخ إبراهيم السكران -كما ذكرت لكم في البداية- هو أحد الشخصيات المهتمَّة بالتَّنظير لأهمية هذه القضية، وعلى المستوى الشخصي أنا لي تواصل والتقاء مع الشيخ، فهذه القضية كما هي حاضرة في كتاباته حاضرة في سمته وهديه وحديثه لأقرانه وأحبابه.
خذوا ما هو أعجب من هذا، ولا أدري إن كان مناسبًا أن أفضي لكم بهذه القصة الطريفة، وفيها بعض الاستطراد؛ أول تعرفي على الشيخ إبراهيم السكران كان عبر ورقة قُدّمت عندنا في المشهد المحلي السعودي، كان عنوان هذه الورقة: (نقد مناهج التعليم في السعودية)، وكانت مخصصة لنقد نقد مناهج التعليم الديني والمقررات الشرعية، وكانت واقعة في إشاكاليات حقيقية فيما يتعلق بموضوع الولاء والبراء، وما يتعلق بملف موقع الحضارة المدنية، وغيرها من الموضوعات. وكانت الورقة بالمشاركة ما بين الشيخ إبراهيم السكران من جهة وبين شخصية محسوبة على الحالة التنويرية: عبد العزيز القاسم، قاضٍ سابق ومحامٍ حاليًا.
وتم اعتماد هذه الورقة كورقة رسمية في مؤتمر الحوار الوطني الثاني عندنا في المملكة، كتعبير عن رؤية مشتملة على وضع مقرَّرات الدراسة والمناهج.
الذي حصل طبعًا في ظل هذه الورقة المنتقِدة السلبية الخارجة عن الإطار الفكري الذي أنطوي تحته تشكَّلت صورة نمطية سلبية عن هذا الرجل في ذهني، وأنه محسوب على تيار آخر.
الذي حصل بعدها سبحان الله، أنها خرجت رسالة مطبوعة للشيخ إبراهيم السكران وكانت باسم (أحكام الأسهم المختلطة)؛ من الظواهر التي تشكَّلت عندنا في السعودية ظاهرة الأسهم والتفريق بين أنواع الشركات؛ هذه شركة نقية، وهذه شركة محرمة، وهذه شركة مختلطة، وعندهم ضوابط، وكثُرت الفتاوى المتعلقة بهذا الإطار فترة من الفترات.
قرأت الرسالة، وأذكر أنني سُئلت عنها في مناسبة من المناسبات، فكان جوابي كالآتي لبعض الزملاء في مجلس من المجالس: "بصراحة الرسالة لا تخلو من الفوائد، وفيها تنبيهات دقيقة وجميلة، ولا بد من استحضارها والتنبه لها خصوصًا ممن هو مشتغل في مثل هذا الباب ويفتي في مثل هذه المسائل، وفيها استدراكات بما يتعلق بالجانب الشرعي..
ولكن سبحان الله الروح التي كُتبت فيها روح غير مريحة، على خلاف نَفَس الفقهاء، روح.. "، ويبدأ الإنسان يتلعثم ويسكت، كأن لسان حاله يقول: الكلمات لا تُواتي الإنسان للتعبير بدقة عن موطن الجرح والإشكال الوارد في مثل هذا الكتاب.
مضت الأيام، خرجت ورقة علمية للشيخ إبراهيم السكران، كان عنوان هذه الورقة: (مآلات الخطاب المدني)، أول انطباع تخلَّق في نفسي لما صادفت هذا العنوان، قلت: ما هو البلاء الجديد الذي أحضره لنا إبراهيم السكران هذا!
فتحت الرابط وتصفَّحت فهرس الكتاب، الزر الأيمن و(save as)، وحفظت الملف عندي في الجهاز، وما أنهيت تلك الليلة -بحمد الله عز وجل- إلا وقد قرأت الكتاب كاملًا.
لما قرأت الكتاب كاملًا وفي ظل سطوة الصورة النَّمطية السلبية، قلت: من الواضح تمامًا أني لم أحسن فهم البلاوي الموجودة في هذه الورقة!، وينبغي أن أقرأها مرة أخرى، واضح أن هناك مشكلة لم أصل إليها..!
فقرأت القراءة الثانية خلال الأسبوع التالي، فاتَّضح لي تمامًا أن الشيخ إبراهيم السكران رؤيته في هذه الملفات والقضايا أفضل وأوضح من رؤية كثير من الأبحاث السلفية المعاصرة. طبعًا لم يحتج الإنسان لفترة زمنية طويلة ليدرك أن ورقة: (مآلات الخطاب المدني) تمثل تراجعًا من خط فكري إلى خط فكري آخر.
والعجيب والطَّريف في الموضوع، أنني سُئلت مرة تالية عن ورقة (أحكام الأسهم المختلطة) بل لما طُرح عليَّ السؤال في مجلس عُدت بالذاكرة إلى تلك اللحظة لما أجبت تلك الإجابة، والمفترض أنّي سأكون نموذج جواب إذا سُئلت عنه أستحضره، فصمت وابتسمت لأني تذكرت الجواب، وبسبب تغير الصورة النمطية قلت: "بصراحة، لم يؤلَّف في باب المعاملات المالية المعاصرة مثلها"!، فضحك الموجودون وأخبرتهم بالقصة وملابستها، وكيف سطوة تأثير العواطف أحيانًا علينا، وأن الإنسان قد يتوهَّم بنفسه أنه اتخذ قرارًا موضوعيًا في قضية ما، وقد لا يكون في تمام موضوعيَّته.
موطن الشاهد في القصة أن ورقة: (مآلات الخطاب المدني) للشيخ إبراهيم السكران حين قرأتها –بالمناسبة قد قرأتها خمسة مرات حتى الآن، ثلاثة مرات إلكترونيًا ومرتان بنسختها المطبوعة-، وأنا على المستوى الشخصي أعتقد أن أعظم منتج فكري قدَّمته الحالة السلفية للمشهد الفكري السعودي هو هذا المنتج؛ (مآلات الخطاب المدني) للشيخ إبراهيم السكران[1].
وعامة مؤلفات الشيخ مذهلة، له كتاب مذهل اسمه: (التأويل الحداثي للتراث)، هذا الكتاب لما قرأته أرسلت للشيخ مداعبًا له: (How can you do that?!) يعني (كيف تستطيع أن تفعل هذا؟!)، وأنا كلما أذكر أبا عمر يصيبني الإحباط الشديد من التأليف والكتاب، فما شاء الله كتابات موفَّقة ومميزة وروح إيمانية عالية ومعتزَّة بالروح الشرعية.
(مآلات الخطاب المدني)؛ هذا الكتاب حين قرأته كانت السِّمة المميِّزة التي ما كانت تخطئها عيني وأنا أقرأ هذا الكتاب أنه مؤسَّس على المشروع القرآني، يعني أكبر فائدة وجدتها من خلال قراءة هذا الكتاب أن الميزة الأساسية الموجودة عند هذا الرجل، عند هذا الباحث، على خلافي أنا وجمهور لا بأس به من طلبة العلم، أنه جعل من النص القرآني نصًا يمثّل مرجعية حقيقية في بناء هذا البحث.
أنا على المستوى الشخصي قبل تلك اللحظة لما كنت أستدل بالقرآن الكريم في أي قضية ما عقدية أو فكرية أو في بحث ما، كنت أُفضي إلى النص القرآني بواسطة؛ بمعنى آخر أنه إذا استدلَّ ابن تيمية -عليه رحمة الله تبارك وتعالى- بهذه الآية القرآنية على ذلك المعنى، ستجد صدى ذلك التوظيف في الإطار البحثي، استدل بها المشايخ المعاصرون في المسألة، وهكذا.
أما أني أجعل القرآن الكريم مرجعًا حقيقيًا بحيث أني أخصص ختمة لكتاب الله -عز وجل- أفتش فيها عن جوابات سؤالي البحثية، قبل تلك اللحظة، فلم أكن أمارس ذلك الدور بجديَّة!
لما قرأت (مآلات الخطاب المدني) كان متَّضحًا لي بشكل كبير أن صلة الرجل بالنَّص القرآنية صلة مباشرة، صلة عظيمة، وكنت أتلمَّس هذه الفكرة استنباطًا.
الشيخ إبراهيم السكران كتب ورقة كان من المفترض أن تُطبع كمقدمة لهذا الكتاب في نسخته الورقية، لكن يبدو أن هناك ملابسات -أنا لا أعلم تفاصيلها- استدعت الشيخ لكتابة هذه الورقة، كان عنوان هذه الورقة: (قصة الكتاب والكاتب)، فكانت رؤية الشيخ أن للقارئ الحق أن يُدرك الملابسات والظروف التي ولَّدت هذه الورقة، لما انتقلت من العالم الافتراضي (الإنترنت) العالم الإلكتروني إلى العالم الورقي، فكتب قصة لطيفة عنوانها: (قصة الكتاب والكاتب) وهي عبارة أشبه بالسيرة الفكرية الذاتية للشيخ وتحوّلاته، وأنه ابن المحضر الإسلامي -كما يقال- ثم تحول إلى الحالة التنويرية، ثم عاد بعد ذلك، وهناك تفاصيل ذكرها في الكتاب.
من اللفتات الجميلة التي ذُكرت في آخر تلك الورقة أنه ذكر المعنى الآتي، وهي غير منشورة وأسرّب لكم مقطعًا منها:
يقول الشيخ -حفظه الله-: "في مطلع ربيع الأول- 1428هـ، مارس- 2007م، كانت الطائرة قد حطَّت بي وبزوجتي في نيوزيلاندا لأتم دورة في اللغة الإنجليزية ..."، هذا قبل أن يُبتعث الشيخ إلى بريطانيا لإتمام درجة الماجستير في القانون التجاري، فالشاهد أنها سبقت بتعلم اللغة الإنجليزية، يقول: "وكانت مدتها خمسة أشهر على حسابي الخاص، وحين بدأت الدراسة في المعهد وجدت نفسي بعيدًا عن معمعة المجاذبات الفكرية المحلية في المشهد الفكري المحلي السعودي في قرية صامتة خارج الوطن، لا تسمع فيها كل سادسة مساء إلا حفيف الأشجار، وكانت أدغال مهجورة، وكانت فرصة حقًا للتأمل المنظَّم، وخصوصًا أنني حين أعود من المركز وأنهي التكليفات المدرسية فإنه يتبقَّى لدي وقت طويل، فصمَّمت على أن أُعيد دراسة كل الملفات الفكرية التي عشت أسئلتها على ضوء القرآن .."، يعني المعنى الذي كنت أستنبطه استنباطًا من ورقة المآلات وكنت أبث هذه الورقة بين بعض الشباب والأحباب، الآن أجد مصداقه صريحًا في كلام الشيخ.
يقول: "فابتدأتُ بالمصحف من الفاتحة إلى الناس، أقف عند كل مقطع وأتأمَّل ما فيه من الشواهد والإجابات على الأسئلة الفكرية التي أُثيرت في مرحلة سابقة"، ولاحظوا سطوة وقوة أداة السؤال، الرجل يصرح ويقول: أنا الآن أطرح سؤالاتي على القرآن لأتطلَّب جواباتها.
ثم يقول: "ثم أسجل الآية مع الإشارة إلى وجه الاستشهاد بها في ملف خاص، وبعد شهرين وصلت إلى خواتيم جزء (عم) وأنهيت المهمة"، أخذت ختمة التدبر هذه لاستلهام الجوابات الفكرية القرآنية على استشكالاته وسؤالاته شهرين، ولاحظوا أنه لا ينطلق من حالة متمحّضة سلفية -كما يقال- تستكشف، هو الرجل الآن كأنما يريد أن ينفذ إلى مراد الله -تبارك وتعالى- في ظل مدلهمَّات واستشكالات حقيقية واقعة عنده.
يقول: "فبدأت بتحرير خلاصة النتائج، واستغرق التحرير زهاء أسبوعين"؛ لاحظوا أخذ شهرين في أجل توفير المادة القرآنية، ثم تحرير هذه المادة العلمية المذهلة في أسبوعين، وأنا أنصح كل شاب لم يقرأ (مآلات الخطاب المدني) بضرورة قراءته.
يقول: "وانتهيت من آخر حرف خططته فيها في: 10/ ذي الحجة/ 1428 - الموافق لـيوليو/2007م.
ولكن بقيت محتارًا ماذا أسمي هذه الورقة؟ ولما كانت ملاحظة ظاهرة التدهور السلوكي هي أكثر أمر شدَّني في هذه التجليات، وهي (...) في الورقة، فإني آثرت تسميتها (مآلات الخطاب المدني)؛ أعني المواقع الجديدة التي آل إليها الخطاب المتفاوت، ابتدأ بنقد الصحوة السلفية على أساس مقولات الحضارة المدنية، ثم انتهى كثير من أفرادها نهايات موحشة..".
فالشاهد؛ لماذا ذكرت القصة؟ لأن هذه الأداة (أداة التساؤل) يستطيع الإنسان أن يوظفها في كثير من الجدليات الفكرية المعاصرة..
يعني لما يتأمل الإنسان في واقع السجال الفكري المعاصر سيدرك -وهذه قضية أساسية- أن حزمة لا بأس بها من منطقة الصراع والسجال عائدة إلى منهجيات الفهم للنص الشرعي، الإشكاليات الواردة على هذه القضية.
من رحمة الله -تبارك وتعالى- من أحسن توظيف هذه الأداة أنه يستطيع أن يستكشف من النص القرآني أدوات فهم النص القرآني؛ بعض الناس يتوهَّم أن منهج أهل السنة في الاستدلال والتفقُّه والتفهُّم للنص القرآني عائد إلى معطيات تاريخية، وأن هناك ممارسات داخل الحالة السلفية للسلف الصالح في التعامل مع النص القرآني، ونحن نمارس تلك الممارسات السلفية في ظل قواعد معينة نستلهمها من تجربتهم لنوظفها في صالح فهمنا للنص القرآني الكريم.
هل تعلمون أن القرآن الكريم مليء بذاته بأدوات فهمه؟؛ يعني على سبيل المثال: اعتبار العربية أساسًا لفهم النص القرآني هو قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا ﴾؛ فالتنبيه لعربية القرآن هو إشارة إلى ضرورة فهمه بلغة العرب.
لما يقول الله -عز وجل- مثلًا: ﴿ فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾؛ هذا ينبّه إلى ضرورة استحضار فهم الصحابة كعامل محدِّد وبوصلة لفهم النص القرآني.
ابن تيمية له عبارة يقول: إذا أراد الإنسان أن يحرّر ما هو الأساس المركزي الذي تأسَّس عليه فهم النص القرآني هو عائد إلى: استيعاب معطيات اللغة العربية، واستيعاب أقوال السلف الصالح، هذا الثنائي نص عليه ابن تيمية -تبارك وتعالى- في غير ما موضع.
مثلًا من أهم القواعد الضابطة لفهم النص القرآني قاعدة المحكم والمتشابه؛ ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾.
فما المانع على الواحد منا أن يخصّص ختمة لتدبر كتاب الله -عز وجل- يفرض فيها سؤالات المنهج على النص القرآني مستلهمًا هداية القرآن، بما يتعلق بهذا السؤال على سبيل المثال، وقس على ذلك نماذج متعددة وكثيرة جدًا.
هناك دعوة لا يتنبَّه لها كثير من القرَّاء، وأرى أنها مهمة جدًا، وأرى أن القرآن الكريم ليس أجنبيًا عن مثل هذه الممارسة، سأوضحها في سياق ثم أوضحها في سياق النص القرآني؛ نضرب مثالًا يعبر عن الفكرة، أحيانًا لما نقرأ كتبًا معينة أحيانًا تكون بوصلة البحث مسلَّطة على البُعد المعلوماتي والبعد المعرفي من هذا الكتاب، حتى لو قرأ الإنسان مثلًا كتاب (ذكريات) للشيخ علي الطنطاوي على سبيل المثال يكون همُّه منصرفًا إلى الأحدث وتفاصيل القصص والأخبار التي يسوقها الشيخ علي الطنطاوي -عليه رحمة الله تبارك وتعالى-، من غير أن يلاحظ أن هذا الرجل أديب، وأنك تستطيع في ظل قراءتك لهذا الكتاب أن تستثمر قراءتك له على المستوى المعرفي المعلوماتي التأريخي، وكذلك على مستوى تطوير كفاءتك الأدبية، سواء على مستوى تذوق النص الأدبي ومستوى تطوير أدواتك التعبيرية لتستطيع الإبانة عن المعاني بشكل جميل.
الوعي بهذه القضية يجعل الإنسان يتفاعل مع النص تفاعلًا مختلفًا، القرآن الكريم كذلك ينبغي أن يراعي الإنسان أنه نعم في أحكام وتفاصيل، لكن فيه قضايا معينة يستطيع الإنسان أن يستلهمها من القرآن الكريم؛ يعني مثلًا ما هي المنهجية القرآنية في تأسيس الأفكار؟ كيف يبني القرآن الكريم العقل المسلم؟ ما هي الأدوات الموجودة في النص القرآن؟
التصورات الفكرية في حقيقة الأمر لا تكاد تخرج عن قضيتين أساسيتين، عندنا مفصَّل القضايا الفكرية؛ يعني القضية الفلانية والقضية الفلانية وما موقفنا منها، وعندنا المنهج الذي يقف خلف مفصَّل القضايا الفكرية، والقرآن الكريم يخدمك بهذا المعطى وبذاك المعطى، وعندي تمثيلات وتطبيقات متعددة وكثيرة لكن أريد أن أفتح المجال للإخوة ليتحدثوا..
مثلًا من الإلماحات المتعلقة بالتذكيرات بالخلفية الإيمانية العقدية المتعلقة بالنص القرآنية، وهي آية بالنسبة لي بما يتعلق بالبعد العقدي والبعد الفكري آية مرعبة، ودائمًا أتوقف عندها لما أتلو كتاب الله -عز وجل-، يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أتوقف كثيرًا جدًا عند هذ الآية، أن الله -سبحانه وتعالى- يتحدث عن حقيقة معينة، وهذه الآية هي التي خلقت عندي نوعًا من الاطمئنان لما طرحه الشيخ إبراهيم السكران في مقالته (تطويل الطريق)، ففي النهاية المعالجة بحديث البشر والناس بالنسبة إليَّ ليس هو الطريق، الله -عز وجل- يقول: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾، إذا لم يستطِع الإنسان أن يلتزم بالهداية من خلال النص القرآني فهو واقع بمشكلة حقيقية، والبلاء ليس من النص القرآني، البلاء من تلك النفس المقبلة على النص القرآني، ابن تيمية -عليه رحمة الله تعالى يقول-: "من تدبَّر القرآن الكريم طالبًا للهدى منه تبيَّن له طريق الحق"؛ أي إنسان يُقبل صادقًا على النص القرآني مسلِّمًا لهدايته فالله -عز وجل- يهديه.
طيب هذا المحل غير القابل للنص القرآني ما أزمته؟
من أزمته قسوة القلب على سبيل المثال، ولقسوة القلب أثر عظيم جدًا جدًا في مسألة الانحراف عمومًا بل وتحريف المدلولات القرآنية؛ تأملوا قول الله -عز وجل-: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ لاحظ ارتباط البعد الإيماني في حالة إقبال النفس على النص القرآني، يعني إذا كان الإنسان المقبل على القرآن قاسي القلب مليئًا بالهوى فيه مشكلة لا تتحقَّق له الهداية المطلوبة من القرآن الكريم، بل القرآن يحادثنا ويكاشفنا: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾، كأن هذه مقدمة وسبب للنتيجة التي تترتب عليه.
فما هو العلاج؟ تأملوا في المقابل يقول الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، ويقول: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾، فقسوة القلب ومراجعة الحالة الإيمانية قضية أساسية ومهمة جدًا.
ميزة النص القرآني فيما يتعلق بالسجال الفكري المعاصر؛ أنا أعتقد أن أحد ميزات السجال الفكري المعاصر أنه مادة علمية شديدة الجفاف بعيدة عن المجالات الروحانية، ميزة الطريقة القرآنية وسطوة القرآن أنه يتميز بمعالجة الجانب المعرفي في نفس النص المؤمن وتخليق حالات الامتياز الإيماني، فهو خطاب مُشبع بالقيم الإيمانية والقيم العاطفية. هذه سطوة النص القرآني، يقول الله -عز وجل-: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ﴾، ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾.
هذه إجمالًا الأفكار الأساسية التي كنت أرغب في طرحها..
ثمة بعض الأدوات الأخرى التي لا يستع الوقت لأن يطوّل الإنسان في ذكرها، لكن أداة التساؤل أداة لو أحسن الإنسان توظيفها ستفتح له أفقًا هائلًا بما يتعلق بالنص القرآني.
----------------------
[1](مآلات الخطاب المدني): http://books.islamway.net/1/2629/2444.pdf
__________________
[align=center] [/align]
|